وقد كان حب الرسول صلى الله عليه وسلم معروفًا لدى الصحابة إلى درجة اعتبار هذا الحب مقياسًا لحب الخير كما جاء في الحديث: عن أم سلمة رضى الله عنها أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كلمنها لتكلم النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وتقول له: إنا نحب الخير كما تحب عائشة، فكلمته فلم يجيبها، فلما دار عليها كلمته أيضًا، فلم يجبها، وقلنا: ما رد عليك؟ قالت: لم يجيبني. قلنا: لا تدعيه حتى يرد عليك، أو تنظرين ما يقول فلما دار عليها كلمتها، فقال: (لا تؤذوني في عائشة، فإنه لم ينزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن إلا في لحاف عائشة) [1] .
و أما أخطر الأمور على مشاعر الحب التي يجب أن ننتبه إليها فهو استغلال تلك المشاعر بصورة غير سليمة ولو بأدنى مدى، وسنذكر موقفًا وقفته السيدة عائشة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتكزت فيه على حبه لها، فغضب منها غضبًا شديدًا، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب أن يمسك الجمل الذي يحمل هودج السيدة عائشة. وقد كانت كل زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم تعلم ذلك، فقالت لها حفصة ذات مرة: هلا تبادلنا الهودج، فركبتي أنتي هودجي، وركبت أنا هودجك، فننظر ماذا يفعل رسول الله؟ فقالت عائشة: أفعل، فلما ركبت حفصة مكان عائشة وسحب الرسول صلى الله عليه وسلم الجمل على أن عائشة في الهودج نظر فوجد حفصة، فغضب، وعُرف ذلك في وجهه إلى حد أن قالت عائشة: (رب سلَّط عليّ عقربًا أو حية تلدغني) ، وذلك بعد أن وضعت رجليها في الأذخر الذي تكثر فيه الهوام، فدعت على نفسها قبل أن يقول لها الرسول: لماذا فعلت ذلك؟ [2] ، ولعلنا نلاحظ أن حفصة دخلت إلى عائشة من الناحية التي تحب عائشة تأكيدها دائمًا، وهي حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها.
ومع الحب يأتي الرضا، فالزوجة عندما تكون راضية عن زوجها وعيشتها فإن هذا الرضا يمثل في حماية البيت طاقة الدفاع الكامل. وإن كانت غير راضية فستخرب بيتها بيدها، ولذلك نجد أن سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما زار ابنه إسماعيل وجده قد تزوج، فسأل زوجته عن الحال والمعيشة، فقالت: الحال في ضيق، فرأى إبراهيم أنها غير راضية، فقال لها: إذا جاء إسماعيل فأقرئيه مني السلام، واطلبي منه أن يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل أخبرته بما حدث، فقال لها: أنت العتبة، الحقي بأهلك وطلقها [3] .
فنجد في هذا الحديث أن إبراهيم سمع قول الزوجة فأمر إسماعيل بأن يطلقها دون أن يتبين حالتها فعلًا، لأن المسالة لا تتعلق بحالة الزوجة الفعلية، بل تتعلق بإحساسها بحالها ومعيشتها، وقد كان هذا الإحساس وحده كافيًا لأن يحكم إبراهيم الخليل بطلاقها، إذا إنه لا أمان للمرأة التي لا تشعر باستقرارها وسعادتها مع زوجها في بيته، كما أن إسماعيل لم يتردد في تنفيذ ما طلبه إبراهيم، لأنه يعلم أن هذا هو الحق.
ولكن كيف يتحقق رضا الزوجة؟
(1) رواه النسائي في كتاب عشرة النساء برقم (3689) .
(2) أخرجه البخاري في (النكاح) (310/ 9) باب (97) من حديث القاسم عن عائشة.
(3) البخاري في (الأنبياء) (396 - 397/ 6) من حديث ابن عباس.