وقد ورد في هذا الحديث [1] أن رجلًا صحابيًا قيل له أدركْ بيتك فقد احترق، فقال: لا، ما ينبغي له أن يحترق وقد قلت ... وذكر الدعاء، ثم قال: وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من يقولهن - يعني هذه الكلمات - لا يضره شيء في يومه).
وفي النهاية نقول إنه على الرغم من الأخْذ بكل أسباب الحماية للبيت والزوجة تبقي في نفس الزوج رغبة في المزيد من الإحساس بالأمان على زوجته وعرضه، ولكن هذا الإحساس لا يمكن أن يكتمل عند الزوج إلا من خلال استقرار عدة حقائق في ضميره وأهمها:
أن العفاف قدرّ إلهي يتحقق في الزوجة بعلم الله لها، وعدله فيها، والدليل في قصة هجرة سيدنا إبراهيم وزوجته سارة إلى مصر - التي مر ذكرها [2] ، فقد كان الملك يأخذ كل امرأة جميلة غصبًا، فإن كان معها أخوها تركه، وإن كان معها زوجها قتله، فعلم هذا الملك بقدوم إبراهيم وسارة، فطلبها، فكان موقف إبراهيم أن قال لها: أخبريه أني أخوك، وهذا بالطبع فيه نجاة لإبراهيم. ولكن أين التفكير في نجاة الزوجة؟ هذا ما تركه إبراهيم للزوجة نفسها، فوقفت أمام هذا الملك الماجن تدعوا الله: (اللهم إن كنت تعلم أني قد أحصنت فرجي إلا على زوجي، فأبعد عني هذا الشيطان) ، فخسف الله به الأرض واستجاب لها، ومن الدعاء والاستجابة يتبين كيف أن العفاف قدر تحقق لزوجة إبراهيم بأسباب من عندها، وهي إحصان فرجها إلا على زوجها، ولما كانت كذلك كتب الله لها النجاة والعفاف وتأكدت بذلك مسئولية المرأة الحقيقية عن نفسها وعفافها.
(1) والمقصود هو قصة أبي الدرداء التي أخرجها ابن السني في (عمل اليوم والليلة) رقم (56) ومن طريق الأغلب بن تميم عن الحجاج بن القرافصة عن طلق بن حبيب قال: (جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال: يا أبا الدرداء فقال: يا أبا الدرداء، قد احترق بيتك. قال: ما احترق، لم يكن الله عز وجل - ليفعل ذلك لكلمات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم من قالهن أول نهاره لم تصبه مصيبة حتى يمسي، ومن قالهن أخر النهار لم تصبه مصيبة حتى يصبح. اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان وما لم يكن لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أعلم أن الله علي كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا. اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي علي صراط مستقيم) . وزاد في رواية أخرى عند ابن السني أيضًا (57) . (وقد قلتها اليوم انهضوا بنا، فقام وقاموا معه فانتهوا إلى داره وقد احترق ما حولها، ولم يصبه شيء.
(2) سبق تخريجها في أوائل الكتاب.