ونذكّر بقصة المرأة - سابقة الذكر - التي احتاجت وأنجاها الله [1] ، كما أن عبودية المرأة وخشيتها لله هي الحماية الأصلية لها من الانحراف، فإذا أحست الزوجة أنها قبل أن تكون زوجة لرجل فهي أمة لله، وانحرافها قبل أن يكون خيانة للزوج فهو كبيرة عند الله، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (والله أغير منا) [2] ، وقال: (وما أحد أغير من الله ومن أجل ذلك أنزل الحدود [3] ، وهذا قيمته أن تشعر المرأة بغيرة الله عليها، ونذكَّر هنا بقول المرأة التي سمعها عمر تقول:(فوالله لولا الله أني أراقبه لحرك من هذا السرير جوانبه) [4] .
وليس قدر العفاف هو قدر النجاة من الانحراف فقط، ولكنه أيضًا قدر النجاة من الاتهام بالانحراف. وهو قدر البراءة الذي يحقق النجاة أمام الناس بعد قدر العفاف الذي يحقق النجاة أمام الله.
و عندما نذكر الدليل على قدر البراءة فبالطبع ستكون قصة مريم ابنة عمران التي أنطق الله من أجل براءتها عيسي وهو في المهد، {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} (مريم 30 - 33) .
ولقد رأينا في قصة جريج كيف أن الغلام نطق في المهد أيضًا عندما ضربه جريج على صدره وقال: منَ أبوك؟ قال: أنا ابن الراعي [5] .
ومن هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم واثقًا بأن الله سيبرئ عائشة.
فقال لها: (يا عائشة، إن كنت بريئة فسيبرئك الله) [6] .
وكما أن قدر العفاف له أسباب فإن قدر البراءة له أسباب أيضًا.
وأهمها: البعد بالنفس عن الشبهات.
والدليل هو تصرف النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يسير مع زوجته صفية بالليل فرآه اثنان من الصحابة، فقال لهما: (علي رسْلكما، إنها صفية زوجتي. فقالوا: سبحان الله! يا رسول الله! قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم ومجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلبكما شيئًا) [7] .
وبهذا التصور يجب أن نكل أمر الزوجة إلى الله، سواء من ناحية نجاتها من الانحراف الفعلي، أو نجاتها من الاتهام بالانحراف أمام الناس.
(1) قصة الثلاثة الذين دخلوا الكهف وتوسلوا بأعمالهم الصالحة سبق تخريجها.
(2) البخاري في (النكاح) (319/ 9) ومسلم رقم (1499) ، من حديث سعد بن عبادة.
(3) البخاري في (النكاح) (319/ 9) من حديث ابن مسعود، ومسلم من حديث عبادة (1499) .
(4) أخرجه البيهقي في السنن (29/ 9) من طريق مالك عن ابن دينار عن ابن عمر خرج عمر من الليل فسمع امرأة تقول: تطاول هذا الليل واسودت جوانبه وأرقني أن لا حبيب ألاعبه فقال لحفصة كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها، فقالت: ستة أو أربعة أشهر، فقال عمر: (لا أحبس الجيش أكثر من هذا) . وذكره الحافظ ابن كثير في تفسير سورة بقرة (227) ، (447/ 1) . وعزاه للموطأ وزاد: فوالله لولا أني أراقبه لحرك من هذا السرير جوانبه وسند الموطأ جيد قوي.
(5) قصة جريج سبق تخريجها، وأنها في صحيح مسلم انظر (ص: 10، 11) .
(6) سبق تخريجه قصة الإفك (ص: 79، 85) أنظرها هناك.
(7) متفق عليه: البخاري في (الاعتكاف) (278/ 4) ، رقم (2175) من حديث صفية.