ومواجهة هذا العنصر هي تذكُّر الأضرار التي ستنشأ عن هذا الارتباط، مثل القلق على العرض والشك في السلوك باعتبار عدم الالتزام، وتذكر عاقبة القلق والشك من خبل في العقل وألم في النفس، وحرمان من الراحة، وافتراض تحقق السعادة في الارتباط بالمحبوب يعنى الشعور باستحالة تحقق السعادة مع غيره، ومواجهة ذلك إنما تكون بالارتباط السريع بأخت مسلمة، ويكون من الأولى أن تكون الأخت على قدر من الشخصية والجمال يحقق رجحان كفتها في نظره؛ لأنه بمجرد تفكيره في الارتباط بها سينشئ في نفسه مقارنة بينهما وبين من كان يحبها، ومع هذه الحالة ينشأ واجب الاستعانة بالله لتحقيق النجاة، والقلوب بين أُصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وهذا هو التحديد الحركي لأثر الحب في علاقة الإنسان - في الواقع الجاهلي - بالدعوة الإسلامية.
وبعد هذا التقييم الحركي للفوضى الجنسية نخرج بحقيقة مهمة وهي: ضرورة ارتباط الحركة الإسلامية بمبدأ العفاف منذ لحظة التكوين وقيام الواقع الحركي للدعوة الإسلامية؛ وذلك - كما فهمنا من التقييم - أن أي واقع اجتماعي تتسلل إليه الفوضى الجنسية لن يكون له بقاء صحيح.
فكان لابد من قيام واقع الدعوة الاجتماعي وهو يحمل في طبيعته وتكوينه أسباب حمايته من الانحراف، وهذا هو معنى قيام الحركة بمبدأ العفاف، وهذا هو الذي يضمن أن يكون نمو المجتمع المسلم بعد ذلك مرتبطًا بهذا المبدأ وهاهي ذي التجربة الإسلامية الأولى تحقق قيام الدعوة بمبدأ العفاف، حيث كان العفاف هو أول ثلاثة أشياء أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الناس، كما قال أبو سفيان: (أمرنا بالصلاة والصدق والعفاف) [1] ، وكانت دعوته إلى العفاف هذه دليلًا على صدق النبوة عند هرقل؛ إذ قال لأبى سفيان ردًا على قوله هذا: (لو كان كما تقول حقًا فسيملك موضع قدمّي هاتين) .
وكان الأمر بالعفاف في نص البيعة على الإسلام: (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا ولا تزنوا) [2] .
وكان أول أعمال النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد بناء المسجد هو إقامة حد الزنا على يهوديين بمقتضى حكم التوراة.
(1) قول أبي سفيان أخرجه البخاري في (بدء الوحي) (31/ 1) وهو في مسند أحمد (262/ 1) من حديث ابن عباس.
(2) متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت، أخرجه البخاري في (64/ 1) ومسلم (222/ 11) .