الصفحة 8 من 64

وكان أول أوامر النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بعد فتحها هو قوله: (لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) [1] . وهذه حجة الوداع اللقاء الأخير العام بين النبي صلى الله عليه وسلم وأمته يقوم فيهم ويوصى وصاياه التي ستعيش معهم، ويعيشون بها من بعده إلى قيام الساعة، يقول: (ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهم عوان عندكم، ليس تملكون منهم شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا، ألا إن لكم على نسائكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون [2] ، ولا يؤذن في بيوتكم من تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحنوا [3] إليهن في كسوتهن وطعامهن) . وواضح من الوصية الأخيرة أن جوهرها هو قيام علاقة طيبة بين رجال الأمة ونسائها؛ بما يضمن بقاء ارتباط هذه الأمة بالتكوين الأسرى الصحيح وتحقيق مبدأ العفاف.

ويتولى عمر بن الخطاب إمارة المؤمنين فيقول في أول خطبة له: (يا أيها الناس، قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا - ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن) [4] ، ثم يقول عمر: (لقد مضى رسول الله إلى سبيله فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله ورسوله، واحفظوا فروج النساء) [5] ، ونقف قليلًا أمام خطبة عمر باعتبار أساسي وهو أن عمر رائد الامتداد في الدعوة الإسلامية [6] .

ولهذا فإن عرض التصور عند عمر في مواجهة خطر الجنس يعتبر مقياسًا من مقاييس الارتباط بين امتداد الدعوة الإسلامية ومبدأ العفاف، وخطبة عمر الأولى تؤكد قيمة هذا الارتباط من البداية، إذ تقول الكلمة الأولى فيها: (ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) .

فيحذر عمر من الفوضى في العلاقة بين الرجال والنساء، واستغلال الشيطان لتلك الفوضى قبل وصيته بالجماعة، وتحذيره من الفرقة، على الرغم من أن الجماعة هي الأمر الأول الذي يقوم به الإسلام، ولكن عمر كان يعلم ضرورة أن يسبق الوصية بالجماعة وصيته بالعفاف؛ إذ لا جماعة بغير هذا المبدأ.

(1) البخاري في الحج (483/ 3) ومسلم في الحج (115/ 9) أيضًا من حديث أبي هريرة.

(2) أخرجه مسلم في حديث جابر الطويل انظر شرح النووي من صحيح مسلم (183 - 184/ 8) وهو عند الترمذي رقم (1163) ، وابن ماجه 0185) والنسائي في العشرة (278) ، وليس عندهم لفظ (تحنوا إليهن) .

(3) ودائمًا تأتي صيغة الحض علي إطعام المرأة وكسوتها بالأسلوب الذي يتفق مع طبيعة العلاقة الزوجية مثل قوله صلى الله عليه وسلم (حتى اللقمة التي تضعها في فم امرأتك) . فالأمر ليس مجرد الإطعام ولكنه الحنان والرحمة في الإطعام.

(4) سنده صحيح، أخرجه أحمد في المسند 018/ 1) وروي مرسلًا من طريق ابن دينار عن ابن عمر عن عمر موقوفأً، انظر الرسالة للشافعي تحقيق الشيخ شاكر رقم 113151 وأخرجه أيضًا الترمذي 2165، والحاكم (114/ 1) وصححه ووافقه الذهبي.

(5) صحيح، أخرجه احمد (17/ 1) وهو حديث مستقل غير الذي قبله رواه من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد.

(6) بدليل أن رسول الله رأي رؤية فيها أبا بكر ينزح من بئر وكان في نزحه ضعف ويغفر الله له، فأخذها عمر فصارت غربا (وهذه الرؤية ترمز إلى الامتداد والفتح الإسلامي الذي تم في إمارة عمر. أخرجه البخاري في التعبير(412/ 12) عن ابن عمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت