ولكن الثورة الصناعية قلبت الأوضاع كلها في الريف والمدينة على السواء . فقد حطمت كيان الأسرة وحلت روابطها بتشغيل النساء والأطفال في المصانع . فضلًا عن استدراج العمال من بيئتهم الريفية القائمة على التكافل والتعاون ، إلى المدينة التي لا يعرف فيها أحدٌ أحدًا ، ولا يعول أحد أحدًا ، وإنما يستقل كل إنسان بعمله ومتعته ؛ وحيث يسهل الحصول على المتعة الجنسية من طريقها المحرم ، فتهبط الرغبة في الزواج وكفالة الأسرة ، أو تتأخر سنوات طويلة على الأقل (1) .
وليس همنا هنا استعراض تاريخ أوربا . ولكنا نستعرض العوامل التي أثرت في حياة المرأة فحسب .
قلنا إن الثورة الصناعية شغّلت النساء والأطفال . فحطمت روابط الأسرة وحلت كيانها. ولكن المرأة هي التي دفعت أفدح الثمن من جهدها وكرامتها ، وحاجاتها النفسية والمادية . فقد نكل الرجل عن إعالتها من ناحية ، وفرض عليها أن تعمل لتعول نفسها حتى لو كانت زوجة وأمًا! واستغلتها المصانع أسوأ استغلال من ناحية أخرى ، فشغلتها ساعات طويلة من العمل ، وأعطتها أجرًا أقل من الرجل الذي يقوم معها بنفس العمل في نفس المصنع .
(1) من هنا يقول دعاة الفكر المادية وهواة التفسير الاقتصادي للتاريخ إن الأوضاع الاقتصادية هي التي تنشئ الأوضاع الاجتماعية وتحدد العلاقات بين البشر . وما ينكر أحد قوة العامل الاقتصادي في حياة البشرية ، ولكن الذي ننكره بشدة أنه العامل الوحيد المسيطر ، وأن له جبرية على الأفكار والمشاعر والسلوك . وإنما كان له كل هذا الأثر في الحياة الأوربية لخلوها من عقيدة عليا ترفع المشاعر وتنظف النفس وتقيم العلاقات= =الاقتصادية على أساس إنساني ، ولو وجدت هذه العقيدة - كما وجدت في العالم الإسلامي - لاستطاعت - على الأقل - أن تلطف من قسوة الضرورة الاقتصادية ، وتنفذ الناس من إسارها .