الصفحة 104 من 218

ومن جهة أخرى لم تكن هناك أيد عاملة من الرجال تكفي لإعادة تشغيل المصانع لتعمير ما خربته الحرب . فكان حتمًا على المرأة أن تعمل وإلاّ تعرضت للجوع هي ومن تعول من العجائز والأطفال . وكان حتمًا عليها كذلك أن تتنازل عن أخلاقها . فقد كانت أخلاقها قيدًا حقيقيًا يمنع عنها الطعام ! إن صاحب المصنع وموظفيه لا يريدون مجرد الأيدي العاملة ، فهم يجدون فرصة سانحة ، والطير يسقط من نفسه - جائعًا - ليلتقط الحب . فما الذي يمنع من الصيد ؟ ألعله الضمير ! ؟ وما دامت قد وجدت - بدافع الضرورة - امرأة تبذل نفسها لتعمل ، فلن يتاح العمل إلا للتي تبذل نفسها للراغبين .

ولم تكن المسألة مسألة الجوع إلى الطعام فحسب .

فالجنس حاجة بشرية طبيعية لا بد لها من إشباع . ولم يكن في وسع الفتيات أن يشبعن حاجتهن الطبيعية ولو تزوج كل من بقي حيًا من الرجال ، بسبب النقص الهائل الذي حدث في عدد الرجال نتيجة الحرب . ولم تكن عقائد أوربا وديانتها تسمح بالحل الذي وضعه الإسلام لمثل هذه الحالة الطارئة ، وهو تعدد الزوجات. لذلك لم يكن بدٌّ للمرأة أن تسقط راضية أو كارهة لتحصل على حاجة الطعام وحاجة الجنس ، وترضي شهوتها إلى الملابس الفاخرة ، وأدوات الزينة ، وسائر ما تشتهيه المرأة من أشياء .

وسارت المرأة في طريقها المحتوم ، تبذل نفسها للراغبين ، وتعمل في المصنع والمتجر ، وتشبع رغائبها عن هذا الطريق أو ذاك ، ولكن قضيتها زادت حدة . فقد استغلت المصانع حاجة المرأة إلى العمل ، واستمرت في معاملتها الظالمة التي لا يبررها عقل ولا ضمير ، فظلت تمنحها أجرًا أقل من أجر الرجل الذي يؤدي نفس العمل في نفس المكان .

ولم يكن بد من ثورة . ثورة جامحة تحطم ظلم أجيال طويلة وقرون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت