الصفحة 183 من 218

فإذا نظرنا إلى المسألة على هذا الوضع فالكفتان متوازنتان: إنفاق في جانب واحتفاظ بالكرامة عن ذل التطلع ، وبنظافة النفس من الحقد في جانبٍ آخر . وبهذا وذاك يعيش المجتمع في سلامٍ نفسي يتمشى مع السلام الاقتصادي الذي يوزع الثروة على الجميع ، فلا يوجد مترف هنا ومحروم هناك . وقد تحدثنا من قبل عن"الإنفاق"وصوره المتعددة التي يمكن أن تنفذ في العصر الحديث بما ينفي عنها صفة الإحسان ، ويدخلها في باب التعاون الإنساني الكريم . فلا نحتاج إلى العودة إلى هذه المسألة من جديد ، ولكنا نقول: إنه حين يعيش المجتمع على هذه الصورة فلن يكون هناك ظلم يطلب من المظلومين الرضاء به ، أو حرمان اقتصادي يؤمرون بالخضوع له .

أما حين ينكل الأغنياء عن واجبهم في الإنفاق ، وتحمل تكاليف الخدمة الاجتماعية لمجموع الشعب ، فمن ذا الذي يدعو الفقراء والمحرومين إلى الرضى بما هم فيه من حرمان ؟ !

الإسلام يصنع ذلك ؟

الإسلام الذي يهدد الراضين بالظلم ، القاعدين عن مكافحته ، بسوء المصير في الدنيا والآخرة ؟

"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم: قالوا فيم كنتم ؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض . قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا . إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا ؛ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ، وكان الله عفوًا غفورًا (1) ".

إنها إذن جريمة لا ينفع فيها اعتذار . جريمة أن يرضى الإنسان بالظلم بحجة أنه ضعيف في الأرض . والقرآن يسميهم ظالمي أنفسهم ، حين رضوا لها غير الوضع الكريم الذي أراده الله للناس ، ودعاهم إلى تحقيقه بكل ما يستطيعون من جهد .

(1) سورة النساء [97-99] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت