وقد أطاق الناس وقتها هذا الارتفاع الشاهق المفاجىء ، لأن الدفعة الروحية الممثلة في الرسول وأصحابه كانت كقوة السحر التي ترفع الإنسان فوق طاقاته العادية وتجعله يصنع ما يشبه المعجزات . فلما انحسرت هذه الدفعة الهائلة ارتد الناس عن آفاقهم العليا ، وإن كانوا - مع ذلك - قد احتفظوا بقبسة لامعة من روح الإسلام سنتحدث بعد هنيهة عن آثارها العملية في تاريخ البشر . ولكن هذا ليس معناه كما يقول المزيفون أننا في حاجة دائمة إلى وجود الرسول والصحابة بأشخاصهم لنحقق ما حققه الناس في صدر الإسلام في الجانب العملي على الأقل . فالذي كان يعد معجزة قبل ألف وثلثمائة عام في سياسة الحكم ونظام الاقتصاد وعلاقات المجتمع ، أصبح بعد مرور هذه الحقب الطويلة ، وبعد التجارب التي مرت بها البشرية - وفي أولها التجربة الإسلامية ذاتها - في حدود المستطاع اليوم في كثير من ربوع الأرض . فإذا أردنا أن نطبق الإسلام اليوم في واقع الحياة ، بصرف النظر عن مثله الأخلاقية الرفيعة - وإن كان الإسلام يعني بها عناية خاصة ولا يفصل بينها وبين التطبيق العملي - فلن نقفز قفزات معجزة كتلك التي قفزها العرب في صدر الإسلام ، لأن التجارب والسوابق قربتنا من تلك القمة العالية ، فصارت النقلة أقرب ، وصار الجهد المطلوب أيسر من ذي قبل .
ولنضرب بعض الأمثلة لما نقول: