الصفحة 209 من 218

والأمر الثالث هو ما أسلفناه في فصل"الملكية الفردية"من إستحالة الفصل بين أي نظام اقتصادي والفلسفة الاجتماعية الكامنة وراءه . فحين نأخذ الاقتصاد الشيوعي لا بد أن نأخذ معه الفلسفة الاجتماعية التي تقوم على أساس أن المجتمع هو الأصل والفرد لا كيان له إلا باعتباره فردًا في القطيع . وذلك مخالف في أساسه للتربية الإسلامية التي تعنى عناية شديدة بالفرد ، وتكل إليه - بعد تهذيب ضميره - القيام بتبعات المجتمع وهو شاعر أنه جزء حي مريد موجه ، يختار عمله بنفسه ، ويختار المكان الذي يعمل فيه ، ويملك حرية توجيه الحاكم والخروج عليه إذا خرج هذا الحاكم عن شرع الله . والإسلام - بهذه التربية الفردية داخل رقابة المجتمع - يقيم من كل فرد حارسًا أخلاقيًا يرعى أخلاق المجتمع ويحول دون وقوع المنكر فيه . وهو مالا يمكن - نفسيًا وعمليًا - أن يحدث حين يصبح الفرد ذرة تائهة في كيان المجتمع ، يطيع الدولة في شئون الاقتصاد ، ثم يطيعها - تبعًا لذلك - في جميع الأمور .

والأمر الأخير أن الفلسفة الشيوعية قائمة على أن العامل الاقتصادي هو الوحيد ، أو هو على الأقل صاحب الأولوية المطلقة في تصريف شئون المجتمع وإقامة علاقاته .

والعقلية الإسلامية لا تنكر أهمية الاقتصاد ، ولا ضرورة إقامة المجتمع على أسس اقتصادية سليمة ، ليمكن إقامة الفضائل الخلقية والاجتماعية فيه ولكنها مع ذلك لا تؤمن بأن الحياة كلها اقتصاد . ولا أن الحلول الاقتصادية تحل كل مشاكل المجتمع .

فهذان - مثلًا - شابان قد سوينا بينهما في الوضع الاقتصادي . ولكن أحدهما غارق - بطبيعة مزاجه - في الشهوات لا يكاد يفيق منها ، ولا يملك منها قياد نفسه ، والآخر مترفع يأخذ نصيبه المعقول من المتاع وينفق ما تبقى من طاقة في الآفاق العليا من علم أو فن أوعقيدة . هل يستويان مثلًا ؟ وهل تستقيم الحياة بهذا كما تستقيم بذاك ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت