ومن جهة أخرى تؤمن العقلية الإسلامية بأن الطاقة الروحية في الإنسان طاقة ثمينة كبيرة الأثر في الحياة البشرية ، وأنها حين توجه إليها العناية ويبذل الجهد في تربيتها ، لا تقل أثرًا عن العوامل الأخرى مجتمعة ، بما فيها العامل الاقتصادي . بل قد تكون أحيانًا من الضخامة بحيث ترجح تلك القوى جميعًا . ويجد المسلمون في تاريخهم مصداق هذه الحقيقة في موقف رجل مثل أبي بكر من الردة ، فقد وقف وحده مصرًا على قتال المرتدين ، والمسلمون جميعًا بما فيهم عمر بن الخطاب ذاته لا يؤيدونه في موقفه . فعلى أية قوة كان يعتمد ؟ القوة المادية ؟ قوة الاقتصاد ؟ القوة البشرية ذاتها ؟ كل ذلك يخذله عن القتال . ولكن القوة الروحية العجيبة التي وصلت روح أبي بكر بخالقه فاستمد منه العون والعزم ، هي وحدها التي حولت المتخاذلين إلى متحمسين ، وحولت قوة المشاعر إلى قوة مادية واقتصادية لا مثيل لها في التاريخ ! كما يجدون مصداقها في موقف رجل مثل عمر بن عبد العزيز من الظلم السياسي والاجتماعي الذي بدأه بنو أمية ، فقد وقف في وجه هذا الظلم ورد الأمور إلى نصابها كما ينبغي أن تكون في المجتمع المسلم ، حتى حدثت في عهده معجزة اقتصادية تاريخية ، هي وجود مجتمع ليس فيه فقراء .
لذلك تهتم العقلية الإسلامية بالطاقة الروحية لأنها لا تحب أن تضيع على البشرية فرصة الاستفادة من معجزاتها ، وإن كانت في الوقت ذاته لا تنفض يدها من العمل في حدود الطاقة"الواقعية"انتظارًا لتلك المعجزات . وإنما يكون شعارها دائمًا:"إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".