الصفحة 36 من 218

لم يعد الرقيق"شيئًا". وإنما صار بشرًا له روح كروح السادة . وقد كانت الأمم الأخرى كلها تعتبرالرقيق جنسًا آخر غير جنس السادة ، خلق ليستعبد ويستذل ، ومن هنا لم تكن ضمائرهم تتأثم من قتله وتعذيبه وكيه بالنار وتسخيره في الأعمال القذرة والأعمال الشاقة (1) . ومن هنالك رفعه الإسلام إلى مستوى الأخوة الكريمة ، لا في عالم المثل والأحلام ، بل في عالم الواقع . ويشهد التاريخ ـ الذي لم ينكره أحد ، حتى المتعصبون من كتاب أوربا ـ بأن معاملة الرقيق في صدر الإسلام بلغت حدًا من الإنسانية الرفيعة لم تبلغه في أي مكان آخر . حدًا جعل الرقيق المحررين يأبون مغادرة سادتهم السابقين ـ مع أنهم يملكون ذلك بعد أن تحرروا اقتصاديًا وتعودوا على تحمل تبعات أنفسهم ـ لأنهم يعتبرونهم أهلًا لهم ، يربطهم بهم ما يشبه روابط الدم ! وأصبح الرقيق كائنًا إنسانيًا له كرامة يحميها القانون ، ولا يجوز الاعتداء عليها بالقول ولا بالفعل . فأما القول فقد نهى صلى الله عليه وسلم السادة عن تذكير أرقائهم بأنهم أرقاء . وأمرهم أن يخاطبوهم بما يشعرهم بمودة الأهل وينفي عنهم صفة العبودية ، وقال لهم في معرض هذا التوجيه:"إن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم" (2) فهي إذن مجرد ملابسات عارضة جعلت هؤلاء رقيقًا ، وكان من الممكن أن يكونوا سادة لمن هم اليوم سادة ! وبذلك يغض من كبرياء

(1) يعتقد الهنود أن الرقيق (المنبوذين) خلقوا من قدم الإله ، ومن ثم فهم بخلقتهم حقراء مهينون ، ولا يمكن أن يرتفعوا عن هذا الوضع المقسوم لهم إلا بتحمل الهوان والعذاب ، عسى أن تنسخ أرواحهم بعد الموت في مخلوقات أفضل ! وبذلك تضاف إلى لعنة الوضع السيِّئ الذي يعيشون فيه لعنة أخرى روحية تقضي عليهم أن يرضوا بالذل ولا يقاوموه .

(2) ذكره الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين في الكلام عن حقوق المملوك ، في حديث طويل قال إنه آخر ما أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت