الصفحة 62 من 218

أما التبعية الدائمة فمسألة لم يعرفها الإسلام قط في خارج دائرة الرق ، وقد شرحنا في الفصل السابق أصوله وأسبابه ووسائل التحرر منه . وليس في الإسلام رق للأرض . وإنما كان الأرقاء الذين جاءوا عن طريق الحرب وهم قلة على أي حال بالنسبة لمجموع السكان ، يعملون في أرض السادة إذا كانوا لم يعتقلوا تطوعًا ولم يطلبوا الحرية مكاتبة . ولكن هذا ليس المقصود بالتبعية الدائمة في الإقطاع الأوروبي . وإنما المقصود - إلى جانب وجود الأرقاء - تبعية الفلاحين والعمال الزراعيين جميعًا . وهم ليسوا أرقاء للسادة ، ولكنهم أرقاء للأرض ، لا يملكون تركها ولا التحرر من الالتزامات الملقاة على عاتقهم لأصحابها .

وهذا اللون من الرق أو التبعية هو الذي لم يوجد أبدًا في الإسلام .

ذلك أن الإسلام - من حيث المبدأ - لا يعترف بعبودية ولا تبعية إلا لله خالق الحياة . أما التبعية لمخلوقات الله فليست أصلًا من أصوله . وإذا كانت قد وجدت في الرق - لظروف خاصة وعارضة - فهي حالة موقوتة يعمل الإسلام على إزالتها بكل الوسائل ، ويشجع الأرقاء أنفسهم على التخلص منها ، ويمنحهم معاونة الدولة ورعايتها .

ثم إن الإسلام - من الوجهة الاقتصادية - لا يقيم بنيانه الاقتصادي على تبعية إنسان لإنسان ، فيما عدا حالة الرق التي أشرنا إليها ، والتي لم يكن لها مخلص اقتصادي في ذلك الحين ، حتى تتحرر نفوس الأرقاء من الداخل ويحتملوا تبعة أنفسهم فيعملوا أحرارا ً، وعند ذلك يمنحهم الإسلام حريتهم . وإنما يقيم الإسلام بنيانه على أساس حرية العمل ، مع التعاون التام وتبادل الخدمات بين الجميع . والدولة دائمًا موجودة تعول من تقصر به موارده عن الحياة الكريمة ، أو يعجز عن العمل لأي سبب من الأسباب .

وما دامت كفالة الدولة موجودة ومتاحة للجميع ، فليس هناك ما يدفع أحدًا إلى استرقاق نفسه لأصحاب الأرض ، وهو يملك الحرية والكرامة ومطالب الحياة الأساسية عن غير هذا الطريق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت