فمن الوجهة الروحية والوجهة الاقتصادية معًا منع الإسلام الإقطاع بصورته المعروفة ، وأدرك الناس قبل أن يصبحوا رقيقًا للأرض فحررهم من وبال الإقطاع .
وأما الالتزامات التي يلتزم بها الفلاح لصاحب الأرض فلم يعرفها كذلك تاريخ الإسلام . لم يحدث قط - والإسلام إسلام - أن كان الفلاح ملزمًا بشيء تجاه صاحب الأرض ، وذلك لانتفاء التبعية ، وقيام علاقة حرة بين هذا وذاك .
كانت العلاقة الوحيدة التي عرفها الإسلام بين الفلاح وصاحب الأرض هي الإيجار أو المزارعة . وبمقتضاها يستأجر الفلاح جانبًا من الأرض قل أو كثر بحسب ما تستطيع موارده ، ويكون حرًا حرية كاملة في زراعته على نفقته وجني محصوله كله لنفسه ، أو يشارك صاحب الأرض ، فيدفع الأخير كل النفقات ويقدم الأول جهده ، ثم يقتسمان الناتج آخر العام .
وفي كلتا الحالتين لا توجد التزامات إجبارية نحو"السيد"ولا سخرة ، ولا أية خدمة بلا ثمن . وإنما هو التزام متبادل بين طرفين متكافئين في الحرية وفي الحقوق والواجبات . فالفلاح حر أولاَ في اختيار الأرض التي يستأجرها ، أو المالك الذي يزارعه . وحر ثانيًا في التفاوض مع صاحب الأرض على قيمة الإيجار ، فإذا لم يجدها صفقة كاسبة فله ألا يعمل في الأرض ، وليس للمالك أن يلزمه بشيء . فإذا ارتضى نظام المزارعة فالتزاماته فيه مكافئة لالتزامات المالك ومتوقفة عليها وربحه كذلك مناصفة مع صاحب الأرض .