ثم إننا نجد - على العكس مما حدث في الإقطاع - أن المالك الغني هو الذي يبر فلاحيه بالهدايا والعطايا المختلفة في الأعياد والمناسبات ، وخاصة في شهر رمضان ، وهو شهر ذو منزلة خاصة عند المسلمين ، يكثر فيه التزاور عند المسلمين بين الأحباب والأصدقاء ، وتكثر المآدب التي تجمع الشمل وتبر المحتاجين . وهذا هو الأمر المنطقي الذي يتلاءم مع طبائع الأشياء فالغني هو الذي ينفق وهو الذي يتحمل العطايا والهدايا وليس الفقير هو المكلف بإهداء الغني ، كما اقتضت"إنسانية"أوروبا !
أما الطواحين فقد جرى العرف في البلاد الإسلامية أن يقوم بها الفقراء ، يكتسبون عن طريقها ، ولم تكن في أيدي الملاك يفرضون استخدامها على الفلاحين !
ومن هنا نجد أن الالتزامات التي تأخذ صورة السخرة لم توجد في النظام الإسلامي . وإنما قامت مكانها علاقة حرة مبنية على الاحترام المتبادل والمساواة الكاملة في الكرامة الإنسانية . أما"الالتزامات"التي كان يقوم بها الشريف في أوروبا من حماية فلاحيه ورعايتهم ، ويقتضي ثمنها هذه السخرة الظالمة والاستعباد المذل ، فقد كان الأغنياء في الإسلام يقومون بها تطوعًا بدون مقابل ، لأنهم يأخذون مقابلها التقرب إلى الله ووفاء حقه في العبادة ، وهذا فارق حاسم بين النظام الذي يقوم على عقيدة والنظام الذي يقوم خواء منها . ففي الأول تصبح الخدمات الاجتماعية عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله ، وفي الثاني تصبح عملية تجارية يحاول كل طرف فيها أن يأخذ أكبر كسب ويدفع أقل ما يستطيع ، وتصبح الغلبة في النهاية للقوي لا لصاحب الحق .