ثم ننتقل إلى السمة الثالثة من سمات الإقطاع ، وهي تحديد السيد للقدر"الممنوح"من الأرض ، وتحديده كذلك للخدمات المطلوبة من الفلاح . وهما أمران يتمشيان مع السيادة والتبعية هناك ، ولم يكن لهما وجود في النظام الإسلامي الذي يقوم على أساس آخر ، غير سيادة المالك وتبعية الفلاح . فالقدر الذي يستأجره الفلاح تحدده مقدرته المالية ورغبته الحرة ؛ وهنا تكون الخدمة من الفلاح وإليه ، ولا شأن للمالك بها غير استيفاء قيمة الإيجار . أما في المزارعة فمقدار الأرض التي يزرعها الفلاح يتوقف على مقدرته البدنية ، وعدد الأيدي العاملة التي يملكها ( أولاده في الغالب ) ، والخدمة المطلوبة هي ما تحتاج إليه هذه الأرض التي تعتبر مشتركة بين الفلاح والمالك حتى تؤتي ثمارها ، أما بقية أرض المالك التي لم تدخل في المزارعة فلا شأن للفلاح بها ، وليس مكلفًا بأي خدمة فيها .
ولكن أهم ما يفرق بين الإقطاع والنظام الإسلامي في الواقع ، هو ممارسة الشريف لأمور الحكم والقضاء في نظام الإقطاع ، أي إشرافه على تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية بالنسبة لأهل منطقته ، وانتفاء ذلك من أساسه في الإسلام .
لم يكن لدويلات أوربا قانون عام بالمعنى المفهوم ، وحتى القانون الروماني الذي أصبح فيما بعد أساس التشريعات القانونية في أوربا كلها ، قد أباح للإقطاعيين أن يكونوا هم الحكام المطلقين في إقطاعياتهم ، يشرعون لها ، ويحكمون بين أهلها ، وينفذون الأحكام بمعرفتهم ، فاجتمعت لهم السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية في آن واحد ، وكان كل منهم دولة داخل دولة ، لا شأن للحكومة به في داخل إقطاعيته طالما أنه يؤدي"التزاماته"المالية والحربية عند الاقتضاء .