ولم يكن كذلك الحال في الإسلام . فقد كانت هناك دولة مركزية ذات قانون عام ، تشرف على تنفيذه في كل الأرض التابعة لها ، وتعين قضاة لكل منهم سلطته المستقلة المستمدة من تعيين الحاكم له ، ليقوم بتنفيذ الشريعة في حدود اختصاصه ، وليس لأحد عليه من سلطان إلا حين يخطئ أو يسيء . وحتى حين فسدت صورة الحكم فصار ملكًا وراثيًا لا بيعةً حرة ، فقد بقيت المقومات الأخرى لنظام الحكم الإسلامي قائمة راسخة ، فظلت الدولة تهيمن على كل كبيرة وصغيرة داخل أجزائها ، وظل القانون العام مرعيًا في كل مكان يتحاكم الناس إليه في مشارق الأرض ومغاربها بطريقة واحدة - في حدود اختلاف الفقهاء بطبيعة الحال ، وهو أمر يحدث في كل قانون على ظهر الأرض - لذلك لم يكن هوى الشريف ولا مشيئته الخاصة هي القانون الذي ينفذ على الفلاحين ، بل إرادة الله ، وشرعه الذي وضعه لجميع الناس يطبق عليهم بالسوية وبصورة واحدة ، لا بين الفلاح وصاحب الأرض فقط وكلاهما من الأحرار ، بل بين العبد والسيد ، حتى في الحالة الاستثنائية التي يكون فيها بشر ملكًا لبشر آخر .
ولا شك انه حدثت حالات قضى فيها قضاة بما يخالف ضميرهم ، وما يخالف الشرع ، إرضاء لصاحب الأرض أو صاحب السلطان . ولكن هذه الأمثلة لا يجوز أن تؤخذ على أنها القاعدة السارية . لأن الواقع التاريخي - الذي اعترف به الأوربيون أنفسهم - يخالف ذلك . كما أنه لا يجوز أن تؤخذ وحدها وتهمل تلك الأمثلة الرائعة في تاريخ البشرية كلها ، حين كان القاضي يحكم للرجل الفقير الذي لا حول له ولا قوة ، لا ضد صاحب الأرض ، ولا ضد الوالي ولا ضد واحد من الوزراء . بل ضد الخليفة نفسه صاحب الأمر كله والسلطان .. ثم لا يعزل القاضي ، ولا ينتقم السلطان !