كذلك لم تحدث حركة فرار بين الفلاحين كما حدث في أوربا ، لأن الفلاحين كانوا أحرارا في الانتقال لا من مزرعة إلى مزرعة فحسب ، بل من قطر إلى قطر في داخل العالم الإسلامي الواسع الممتد من المحيط إلى المحيط ، لا يحبسهم عن حرية التنقل شيء إلا أن يكون رغبتهم الخاصة في البقاء في بقعة معينة من الأرض ، كما هي طبيعة الفلاحين المصريين مثلًا . ولكن غيرهم من الفلاحين في العالم الإسلامي كانوا أقل شعورًا برابطة الأرض وأكثر قدرة على التنقل ، فلم يقف في سبيلهم مانع من الموانع التي وقفت في سبيل الفلاحين الأوربيين من تبعية والتزامات .
وأما شراء الفلاحين لحريتهم بالمال فإنه لم يحدث بطبيعة الحال في العالم الإسلامي ، لسبب بسيط هو أنهم كانوا أحرارًا بالفعل ، فلا حاجة بهم إلى شراء الحرية .
يضاف إلى ذلك كله ، أن العالم الإسلامي كان يشتمل على عدد كبير من الملكيات الصغيرة التي يستقل بها أصحابها ويكفون بها حاجتهم ، إلى جانب العمل في التجارة البرية والبحرية ، وفي أنواع الحرف الصناعية التي كانت معروفة في ذلك الحين ، مما ينفي نفيًا باتًا صورة الإقطاع المظلمة الحالكة التي خيمت على أوربا في العصور الوسطى ، وظلت تنشر معها الظلام الفكري والجهالة الروحية ، حتى أنقذها منها الاتصال بالعالم الإسلامي في الحروب الصليبية مرة ، وفي الأندلس مرة أخرى ، فأفاقت من غشيتها في عصر النهضة ، وبدأت تخرج من الظلمات إلى النور .
وهكذا نجد أن الإقطاع لم يقم قط في العالم الإسلامي ، طالما كان الإسلام هو الذي يحكم المجتمع ، لأنه بروحانياته واقتصادياته ، وعقائده وتشريعاته ، لا يسمح بقيام الإقطاع ، ولا يسكت عن الوسائل التي تؤدي إليه . وحتى مظاهر الإقطاع التي كانت تحف بالأسر المالكة من بني أمية وبني العباس ، فقد كانت محدودة النطاق ولم تكن تبلغ أن تكون سمة عامة للمجتمع ، فضلًا على كونها مخالفة في جوهرها لحقيقة الإقطاع .