فليس من مبادئه أن يستعمر أو يشن حربًا للاستغلال ، لأن الحرب الوحيدة التي يقرها هي الحرب لدفع العدوان أو لنشر الدعوة حين تقف القوة المسلحة في سبيل الدعوة السلمية . ولا مجال في الإسلام لما يقوله الشيوعيون وإضرابهم من أن الاستعمار كان مرحلة حتمية في حياة البشرية لا يمكن أن تقف في سبيله المبادئ ولا قضايا الأخلاق ، لأنه مسألة اقتصادية ناشئة من تكدس البضائع في البلاد المنتجة والحاجة إلى أسواق خارجية لتصريفها .. لا مجال لهذا الهراء كله لأنهم هم أنفسهم يقولون - أو على الأقل يزعمون - أن روسيا ستتصرف في هذه المشكلة بطريقة أخرى ، هي زيادة نصيب العمال من الإنتاج أو تخفيض ساعات العمل ، بحيث لا يتبقى فائض يحتاج في تصريفه إلى استعمار . والذي تزعم الشيوعية أنها اهتدت إليه ليس وقفًا عليها وحدها . على أن التاريخ يشهد أن الاستعمار نزعة قديمة في البشرية ، ولم ينتج من الرأسمالية ، وإنما الرأسمالية زادته حدة في العصر الحديث بما تملك من وسائل جديدة للتخريب ، ولكنه كان في عهد الرومان لا يقل بشاعة عما هو اليوم من حيث المبدأ ، ومن حيث استغلال الغالب للمغلوب . ويشهد التاريخ كذلك أن أنظف نظام في هذا الباب هو النظام الإسلامي ، لأن حروبه - فما عدا قلة نادرة لا تحسب عليه - كانت بريئة من الاستغلال والاستذلال ، فكان هو أولى النظم - لو نشأت فيه الصناعات الكبرى -أن يلجأ لحل مشكلة الفائض من الإنتاج بغير الاستعمار والحروب . على أن مشكلة الفائض من الإنتاج ذاتها إنما هي إفراز للنظام الرأسمالي بصورته هذه . فلو تغيرت أسسه ما وجدت المشكلة (1) .
(1) انظر بالتفصيل كتاب"الربا"للأستاذ أبو الأعلى المودودي