وأيقن أنّا لاحقان بقيصرَى ... بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
نحاولُ ملكًا أو نموتُ فنعذرَ ... فقلتُ لا تَبكِ عيناك إنما
نعم إنما نحاول ملكًا أو نموت فنعذر.
هذا فقه فَقِههُ ذلك الشاعر الجاهلي في سعيه لتحقيق ملك دنيوي زائل، وهو جاهلي!، فكيف بأهل الإسلام أهل الدين الحق!، فكيف بدعاة الإسلام العاملين لتحقيق ملك الله في الأرض حقيقة وحكمًا؟!
الأصل أن يكون دعاة الإسلام أشد فقهًا واستيعابًا لهذه الحقيقة من ذلك الشاعر الجاهلي ومن سائر عامة المسلمين.
كيف لا؟، وهي حقيقة تلوح وتظهر غاية الظهور في ديننا، خلاصتها"أننا مكلفون بالسعي وليس علينا تحقيق النتائج"، فالله سبحانه وتعالى إنما تعبدنا بالعمل ولم يتعبدنا بإدراك نتيجته.
قال تعالى لنبيه نوح عليه السلام {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ... واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ... وما آمن معه إلا قليل} ، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} .
وقال عليه الصلاة والسلام: (يأتي النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد) ، ولا يعد هذا النبي الأخير فاشلًا حاشا وكلا.
إن إدراك هذه الحقيقة يورث في قلب المؤمن الداعية بردًا وسلامًا وطمأنينة في خضم هذا الطريق الطويل، الذي تمثل المحن والابتلاءات على اختلاف أصنافها وألوانها ركنًا من أركان ماهيته وجزءًا من أجزائه.
كما أن إدراك هذه الحقيقة يجعل المؤمن ينطلق نحو هدفه بخطى ثابتةٍ، يقفو فيها آثار من سبق من خيار الأمة، حذو القذة بالقذة.
فغاية همه وأكثر ما يقلقه ويؤرقه ويخيفه أن يحيد ولو قيد أنملة عن آثارهم أو أن يتجاوز مواضع أقدامهم.
"فإنما: الأمر الاتباع"
فلا تستفزه الأحداث، ولا تستدرجه الوقائع، ولا يخضعه بهوله ضغط الواقع.
"فإنما: الأمر الاتباع"
ومن ثم: فهو وإن كان أمام الناظرين أبعد ما يكون عن هدفه الذي يسعى إليه، إلا أنه بمقاييس الاتباع التي تُعبدنا بها وحدها دون سواها، وبيقينه الراسخ فيها يردد: