الصفحة 51 من 72

ما أبعد الشُّقَّة بين استجابة المؤمنين من الرعيل الأول للنداءات الربانية والتوجيهات النبوية التي كانت تنزل عليهم غضة طرية فتجد آذانًا صاغية وقلوبًا واعية وأبدانًا على التكاليف ساعية وهي راضية، وبين استجابة المسلمين اليوم لنفس النداءات والتوجيهات ولكن بفكر مشتت ونفوس فقدت الحماسة والصدق والتصديق بوعد الله ووعيده، وقلوب أشربت حب الدنيا وشهواتها فكرهت الموت حتى وإن كان في سبيل الله ونصرة دينه والدفاع عن أوليائه.

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) [1] .

فهذا الحديث يدل على أن المؤمن يسوءه ما يسوء أخاه المؤمن مهما بعدت بينهم المسافة، ويحزنه ما يحزنه، ولكننا نجد أن التطبيق العملي لهذا الحديث الشريف يختلف باختلاف المستمعين له من السلف والخلف، فهذا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يؤتى بخبز مفتوت بسمن عام الرماده، فدعا رجلًا بدويًا فجعل يأكل معه، فجعل البدوي يتبع اللقمة الودك - أي الدسم - في جانب الصفحة فقال له عمر: (كأنك مقفر من الودك؟) ، فقال: (أجل، ما أكلت سمنًا ولا زيتًا ولا رأيت آكلًا له منذ كذا وكذا إلى اليوم) ، فحلف عمر لا يذوق لحمًا ولا سمنًا حتى يحيا الناس [2] .

ولقد كان الرجل من أغنياء المسلمين يقتصد في حظ نفسه ليسع ببره مائة أو مائتين أو أكثر من إخوانه وذوي حاجته، فعاد هذا الغني - في زماننا - يتسع لنفسه ثم يتسع، حتى لا يكفيه أن يأكل رزق مائة أو مائتين أو أكثر! [3] .

وكان المسلمون يرون في الأزمات التي تهدد الإسلام وتهز أركانه أنه يجب ألاّ يدخر أحدٌ نفسًا ولا مالًا، وقد كان جمهور المؤمنين في الأيام العصيبة يتنافسون في دعم المجاهدين والمهاجرين في سبيل الله، فمنهم من يخرج ماله كله كما فعل سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومنهم من يخرج شطر ماله كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومنهم من

(1) متفق عليه

(2) طبقات ابن سعد 3/ 225 نقلًا عن كتاب سيرة عمر للطنطاويين

(3) من أقوال الأديب مصطفى صادق الرافعي رحمه الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت