الصفحة 34 من 72

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) [1] .

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

يقول الله تعالى {ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه} .

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم - وذلك في خطبته في حجة الوداع - (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت) .

فلننظر أيها الأخوة الكرام بتدبر وتمحص ولننظر بعين الرهبة والتعظيم لأوامر الله سبحانه وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، إن حرمة الغيبة عند الله تعالى كحرمة يوم النحر في شهر ذي الحجة في منى، فهل علمتم مدى حرمة عرض المسلم يا أصحاب الغيبة؟ هل علمتم هذا يا آكلي لحوم المسلمين.

إن البلاءَ ببعضِه مقرونُ ... أَقْلِل كلامَك واستعِذْ في شرِّه

إحتى يكون كأنه مَسْجونُ ... واحفظْ لسانَك واحتفِظْ من عيِّه

إإن الكلامَ عليكما موزونُ ... وَكِّلْ فؤادك باللسان وقل لّهُ

إإن البلاغةَ في القليلِ تكونُ ... فزِنَاهُ وليَكُ محكَمًا ذا قلةٍ

قال أبو حاتم: (الواجب على العاقل أن يبلغ مجهوده في حفظ اللسان حتى يستقيم له، إذ اللسان هو المُوردُ للمرء موارد العطب، والصمت يكسب المحبة والوقار، ومن حفظ لسانه أراح نفسه، والرجوع من الصمت أحسن من الرجوع في الكلام، والصمت منام العقل والمنطق يقظته) .

أخي الحبيب: من شأن المؤمن الورع ألا تكون له جرأة على ارتكاب ما حرم الله، فهو يتحرَّج ويتوقّى عن المحارم، وما يزال يترقّى في درجات الوَرَع حتى يكفَّ عن الحلال المباح، ومن كان وَرِعًا اشتغل بعيبه عن عيوب الناس، فلا يَرى إلا عيبَ نفسه، ومثلُه مثلُ المريض الذي شغله وجعُه عن وجعِ الناس.

إن الحديث عن عيوب الآخرين وسيلة لإخفاء عيوب النفس إضافة إلى ما فيها من غيبة حرم الله ممارستها، ولا تكاد تجد اثنين إلا وقد اتخذا في ثالثٍ موضعًا للحديث.

إأشغلَه عن عُيوبِ غيرِه ورعُه ... المرءُ إن كان عاقلًا وَرِعًا

إعن وجع الناس كلِّهمُ وجعُه ... كما العليلُ السقيمُ أشغلَهُ

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الربا اثنان وسبعون بابًا، أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه) .

الله أكبر، فأين العقول التي تزن تصرفات أهلها؟ الله أكبر، أين الإيمان الذي يعمر النفوس؟ أين الإيمان الذي يمنع حظوظ النفس وشهواتها؟ أين الإيمان الذي يمنع الاستطالة في أعراض المسلمين؟ ما أعظم حرمة الربا وما أشدها، لقد بلغ في عظيم أمره أن جعل الله تعالى الإيذان بالحرب على من يتعامل به، إن أدنى الربا مثل إتيان الرجل أمه، ولكن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه {أفلا تعقلون} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت