الصفحة 35 من 72

إإلا يَزِلُّ وما يُعابُ صَموتُ ... ما ذَلَّ ذو صمتٍ وما من مُكثرٍ

فالصمتُ دُرٌّ زانَه الياقوتُ ... إن كان منطقُ ناطقٍ من فضةٍ

وعن شعبة قال:"من الناس من عقلُهُ بفنائه، ومنهم من عقله معه، ومنهم من لا عقل له، فأما الذي عقله معه فالذي يبصر ما يخرج منه قبل أن يتكلم، وأما الذي بفنائه فالذي يبصر ما يخرج منه بعد أن يتكلم، ومنهم لا عقل له".

وأنشد البغدادي:

إومن كثيرِ الكلامِ في وَجَلِ ... أنت من الصمت آَمِنُ الزلل

إيا ليتَ ما كنتُ قلتُ لم أقل ... لا تَقُلِ القولَ ثم تُتْبِعهُ

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: (حسبك من صفية كذا وكذا) - قال بعض الرواة: تعني أنها قصيرة - فقال: (لقد قُلتِ كلمةً لو مُزِجَتْ بماء البحر لمزجَتْهُ) ، كلمةٌ لو مزجت بماء البحر لمزجته، كلمة واحدة تفعل هذا الفعل وتؤثر هذا التأثير لو أذن الله أن تمزجَ بماء البحر، فما بالك ما يفعله المغتابون اليوم وألسنتهم لا تكِلّ ولا تَمَلّ مما يفعلون؟، أيَّ بحار تمزج بكلماتهم لو مزجت بها، وأيَّ مياه تنتن؟ وأيَّ طيب عيشٍ يفسدون؟

قال أبو حاتم: (لو لم يكن في لصمت خَصلة تحمد إلا تزين العاقل وتَشَيُّن الجاهل به لكان الواجب على المرء ألا يفارقه الصمت ما وجد إليه سبيلا، ومن أحبّ السلامةَ من الآثام فليقلُ ما يُقبلُ منه، وليقل مما يُقبل منه، لأنه لا يَجترئ على الكلام الكثير إلا فائقٌ أو مائقٌ) ، والفائق هو المتفوق على غيره، والمائق: هو الأحمق.

وقد ترك جماعة من أهل العلم حديث أقوامٍ أكثروا الكلام فيما لا يليق بهم، وعن سعيد: قلت للحَكَم: مالك لا تكتب عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام"."

وأنشد أبو العتاهية:

إكلام واعي الكلام قوت ... قد أفلح السالمُ الصَموتُ

إجواب ما يكره السُّكوت ... ما كل نُطقٍ له جواب

إمستيقنٍ أنه يموتُ ... يا عجبًا لامرئٍ ظلومٍ

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنهم ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا فقالوا: لا يأكل حتى يَطعم، ولا يرحل حتى يرحل له، فقال صلى الله عليه وسلم: (اغتبتموه) ، فقال: يا رسول الله تحدَّثنا بما فيه، قال: (حسبُك إذا ذكرتَ أخاك بما فيه) .

إخواني الكرام:

ليتفكر كل منا في نفسه، ومن منا أُوتي العصمة؟ من منا أسلم قرينه؟ من منّا قد حُميَ من الخطأ والزلل والذنب والعيب؟ من منا يرضى أن يذكر بما فيه على عُجَره وبُجَره، خيره وشره؟.

قال أبو حاتم: (الواجب على العاقل أن ينصف أذنيه مِن فِيه، ويعلم أنه إنما جعلت له أذنان وفم واحدة ليسمع أكثر مما يقول، لأنه إذا قال ربما ندم، وإن لم يقل لم يندم، وهو على رد ما لم يقل أقدر منه على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت