رد ما قال، والكلمة إذا تكلم بها ملكته، وإن لم يتكلم بها ملكها، والعجب ممن يتكلم بالكلمة إن هي رُفعت ربما أضَّرَتْه، وإن لم ترفع لم تضره، كيف لا يصمت، ورُبَّ كلمة سلبت نعمة!).
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لمّا عُرِجَ بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يَخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) .
وفي حديث الأَسْلمي: فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من الأنصار يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم يَدَعْ نفسه حتى رُجم رَجْم الكلب، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سار ساعة، فمر بجيفة حمار شائلٍ برجله، فقال: (أين فلان وفلان؟) ، قالوا: نحن ذا يا رسول الله؟ فقال لهما: (كُلاَ من جيفة هذا الحمار) ، فقالا: يا رسول الله غفر الله لك، من يأكل من هذا؟ فقال رسول الله: (ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفًا أشدّ من أكل هذه الجيفة، فو الذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها) .
إن هذين الأنصاريين قد تعجبا من رسول الله عندما دعاهما للأكل من جيفة الحمار، وما الذي قالاه؟ (يا رسول الله غفر الله لك، من يأكل من هذا؟) ، إنها دعوة ليست طبيعية، دعوة لأكل جيفة حمار، لو كانت الدعوة لأكل جيفة غنم أو بقر لكانت مرفوضة، فكيف إذن والدعوة لجيفة حمار؟.
إن الآكل من جيفة الحمار لم يؤذ مسلمًا ولم ينتهك عرضًا، ولا يسأل يوم القيامة عن حقوق العباد، إنه شخص منحرف الذوق، ولكنه خيرٌ ممن يأكلون لحوم البشر، وفي كلٍّ شرّ.
ماذا لو رأينا جماعة من الناس وقد هجموا على شخص كما تهجم الوحوش على فريستها، وأخذوا يتسابقون في حشو أفواههم وبطونهم من لحمه، متلذِّذين أيَّما تلذذ، مستمتعين أيَّما استمتاع، لعل الجواب حاضر وسريع: لا يمكن أن يقع هذا إلا في غابات الوحوش الكاسرة، بل إن هذا يقع يوميًا غير بعيد عنا، إنه يجري في بيوتنا، ذلك هو الاعتداء على المسلمين بالغيبة والقدح ونَهْشِ الأعراض.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل فوقع فيه رجل من بعده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (تحلَّل) ، فقال: وممّ أتحلل؟ ما أكلتُ لحمًا، قال: (إنك أكلت لحم أخيك) .
هذا شأن مجتمعنا اليوم، يقع أحدنا في الغيبة ويقول بعدها: لم أغتب، لم آكل لحمًا، لم أفعل شيئًا، لماذا؟، لأننا ذلَّلْنا ألسنتنا على كل هذا دون أن نعرف ما هي الغيبة، فلنتفقه في أمور ديننا، لِنتفقهْ في الحرام والحلال - ما استطعنا - ولْنميزْ بين ما يحل من الكلام مما يحرم منه.
خصال اللسان:
واللسان فيه عشر خصال - كما قال أبو حاتم - يجب على العاقل أن يعرفها، ويضع كل خصلة منها في موضعها:"هو أداة يظهر بها البيان، وشاهد يخبر عن الضمير، وناطق يُرَدُّ به الجواب، وحاكم يُفصَل به الخِطاب، وشافع تدرك به الحاجات، وواصفٌ تعرف به الأشياء، وخاصة تذهب الضغينة، ونازع يجذب المودة، ومسلٍ يُزكي القلوب، ومعزٍ تزدَدْ به الأخوان".