الصفحة 11 من 72

اعلم رحمك الله أن النفس البشرية مجبولة على حب الهوى، سواء كان لذة فانية، أو آراء فاسدة، أو أطماع كاذبة، أو أماني بعيدة، فهو يدعو إلى لذة حاضرة من غير تفكر في عاقبة وإن كانت سببًا في منع لذة آجلة في جنة عدن عند مليك مقتدر، قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى} .

لكن العاقل الذي ملك زمام نفسه ينأى بها عن درجة الحيوانية المجردة، وعن طباع البهائم، لأن ملكة الإرادة منةٌ ونعمة من الله امتن بها على بني آدم، فالعاقل إذا تعرضت له شهوة وزنها بميزان العقل، الذي لا ينفك عن الشرع فإن كانت السلامة فيها مضى وإن لم تكن أحجم، قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} .

ومما ورد في ذم الهوى:

قال ابن عباس رضي الله عنه:"ما ذكر الله الهوى في موضع من كتابه إلا ذمه، قال تعالى: {واتبع هواه فمثله كمثل الكلب} ، وقال: {واتبع هواه وكان أمره فرطا} ، وقال: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} ، وقال تعالى: {فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} ."

والآيات في ذم الهوى كثيرة، وحسبك بقول الله تبارك وتعالى: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} .

ولقد سُمى الهوى بذلك لأنه كما قيل يَهوِى بصاحبه، وقد سئل بعضهم عن الهوى فقال: هوان سرقت نونه، وأنشد يقول:

فإذا هَوِيتَ فقد لَقِيتَ هَوانا ... نون الهوان من الهوى مسروقة

وقد ذُم الهوى من سائر الحكماء والعقلاء من لدن آدم حتى يومنا هذا، وما علم أحد مدح الهوى إلا وفي نفسه هوى.

وممن ذم الهوى المعتصم فقال: (إذا نُصر الهوى ذهب الرأي) .

وقال آخر: (اعلم أن البلاء كله في هواك، والشفاء كله في مخالفتك إياه) .

وسئل يحى بن معاذ عن أصح الناس عزمًا، فقال: (الغالب لهواه) .

ولذا يجب على العبد أن يحاسب نفسه دائما ولا ينقاد لإله الهوى، وأن يكون توبيخ نفسه أقرب إليه من اختلاق المبررات لها، وأن يجاهد نفسه حتى لا تغلبه وترديه المهالك، قال تعالى: {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} .

ومما يتأتى به دفع الهوى جهاد النفس، قال تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده} ، وجهاد النفس فرض عين على كل مكلف، وهو أكبر وأعظم على النفس من جهاد الأعداء، بل إن جهاد الأعداء فرع من جهاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت