الصفحة 52 من 72

يبذل القناطير المقنطرة من الذهب والفضة كما كان من عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

واليوم نجد إحصاءات المنظمات الدولية تشير بجلاء إلى أن الأمة الإسلامية تجمع بين النقيضين، ففي الوقت الذي يمثل فيه المسلمون أعلى نسبة في العالم من حيث انتشار الفقر والمرض والجهل في بلادهم، يتصدر بعضهم قائمة أغنى أغنياء الأرض، ويتردد كثير من المسلمين على المصحات والعيادات الخاصة في الداخل والخارج للعلاج من السمنة المفرطة والأمراض التي أصابتهم بسببها بينما نجد أن المجاعات والأوبئة تفتك بالآلاف منهم في الدول التي تتعرض لحروب إبادة أو إهمال من المسلمين.

وشتان ما بين استجابة سلفنا الصالح لأحكام الشريعة فيما يتعلق بكل شؤون حياتهم وبين تقاعسنا نحن عن التحرك للدفاع عن حرماتنا ومقدساتنا وأحكام ديننا التي درج المشرِّعون المبدلون في إصدار قوانين تفرغها من مضمونها ثم بقوانين تضادها وتحاد شارعها الحكيم، فهذا سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي كان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره فقال:"والله لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة في حادثة الإفك فأنزل الله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} ، فقال أبو بكر: (والله إني لأحب أن يغفر الله لي) ، فرجَّع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: (والله لا أنزعها منه أبدًا) [1] ."

إن العبرة في هذه الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فهي تتناول الأمة إلى يوم القيامة، بألا يغتاظ ذو فضل وسعةٍ فيحلف ألا ينفع من أساء إليه من أهل العوز والقربى والمستحقين شرعًا لفضول أموال أهل الخير، وذلك لأن الغاية من فعل الخير هي ابتغاء مرضاة الله تعالى، وهذا قمة في تربية النفوس على العطاء فتجد النفس المؤمنة الرضية تفرح بالإعطاء أكثر مما تفرح بالأخذ والكسب، ولا يتمتع بهذه النفسية الطيبة إلا ذو حظ عظيم عند الله تعالى [2] .

أما الآن فقد تم تسييس المساعدات التي تقدم لقضايا المسلمين وصارت واجهة لأغراض في نفوس القائمين عليها، فإن وفّى الذين يتسلمون هذه المساعدات بالشروط التي أمليت عليهم استمر الدعم وزاد، حتى ينحرف المسار وتُبدل المواقف ويصبح ما كان من

(1) متفق عليه

(2) تفسير سورة النور للدكتور محمد علي الحسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت