فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 82

«وقد زعم بعض المتصيدين في المياه العكرة والمشاغبين على الإمارة الإسلامية أعزها الله أن ما فعلته من كتم وفاة أمير المؤمنين الملا محمد عمر لبعض الوقت غير جائز ومخالف للشرع لأنه كذب وخداع!

ويتبين فساد زعمهم من عدة وجوه:

الوجه الأول: أن كتم وفاة الميت لمصلحة شرعية مرجوة أمر مشروع دل عليه قوله تعالى: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14] .

ففي هذه الآية الكريمة يبين الله تعالى أنه أخفى وفاة سليمان عن الجن حتى يعلم الناس كذبهم في زعمهم الاطلاع على علم الغيب.

قال العلامة السعدي: «فلم يزل الشياطين يعملون لسليمان، عليه الصلاة والسلام، كل بناء، وكانوا قد موهوا على الإنس، وأخبروهم أنهم يعلمون الغيب، ويطلعون على المكنونات، فأراد اللّه تعالى أن يُرِيَ العباد كذبهم في هذه الدعوى، فمكثوا يعملون على عملهم، وقضى اللّه الموت على سليمان عليه السلام، واتَّكأ على عصاه، وهي المنسأة، فصاروا إذا مروا به وهو متكئ عليها، ظنوه حيا، وهابوه.

فغدوا على عملهم كذلك سنة كاملة على ما قيل، حتى سلطت دابة الأرض على عصاه، فلم تزل ترعاها، حتى باد وسقط فسقط سليمان عليه السلام وتفرقت الشياطين وتبينت الإنس أن الجن {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} وهو العمل الشاق عليهم، فلو علموا الغيب، لعلموا موت سليمان، الذي هم أحرص شيء عليه، ليسلموا مما هم فيه» تفسير السعدي (ص: 676) .

الوجه الثاني: أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية، فقد يكون الأمر في الأصل مباحًا أو واجبًا لكن إذا آل إلى ضد المصلحة المرجوة منه أو آل إلى مفسدة أكبر منها، تنتفي مشروعيته في هذه الحال كما في كقوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] .

فإذا كان الإعلان عن وفاة الأمير قد يؤدي إلى الاختلاف والنزاع أو يمكن أن يستغله المفسدون للوصول إلى مآربهم الفاسدة، فإن إخفاء وفاته مشروع.

الوجه الثالث: أن كتم وفاة الأمير إذا كان كذبًا فهو لجمع الكلمة ومنع الخلاف والافتراق، وهذا داخل في الكذب من أجل الإصلاح بين الناس الذي دلت النصوص الشرعية على مشروعيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت