فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 82

الأخلاق، أهل الصبر والسماحة والبذل، الباذلين لله لا يرجون من غيره جزاءً ولا شكورًا، المشفقين على أقوامهم والراحمين للخلق الذين يرحمهم الرحمن.

قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] .

ففي هذه الآيات الكريمات حصر الله تعالى صفة الإيمان في الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يحصل منهم ارتيابٌ وجاهدوا ببذل أموالهم وأنفسهم في سبيل الله تعالى وحدَه، ثم لامَ ووبّخَ المتحدَّثَ عنهم في هذه الآيات -وهم جماعةٌ من الأعراب- على تبجّحهم في دعواهم وإخبارهم بأنهم آمنوا في حين أنهم لم يتصفوا بالصفات المتقدمة، وعابَ عليهم أنهم يمنّون على الرسول والمؤمنين بإسلامهم، وأمرَ رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - أن ينهاهم عن المنّ بإسلامهم، وأخبرهم أن المنة لله تعالى وحده.

وفي عَيْبِ التبجح بالدعاوى وذمّ المنّ والمانّين بعد ذكر صفة المؤمنين حقًا إيماءٌ إلى خطرِ هذا المرضِ ومنافاته للإيمان وإخلاله بصفة المؤمِنِ .. والله أعلم.

ومنها: أن على قيادات المجاهدين أن يعملوا على رصّ صفوف المجاهدين والتأليف بين قلوبهم وجمع كلمتهم وتحبيب بعضهم إلى بعضٍ بأنواع الوسائل المشروعة من القول والفعل، وجعلهم كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَلُ الجسدِ، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالحمَّى والسَّهر) رواه البخاري ومسلم [1] .

وقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4] ؛ فالله يحب ذلك ويرضاه ويأمُرُ به، فيجب علينا السعي في تحقيقه، وذلك ببثّ أسباب التحابُبِ بين المؤمنين وقطع أضدادها من أسباب الخلاف والفُرْقة والشقاق والتباغض والتباعُدِ والتدابُر.

وقد دلّت الشريعة المطهرةُ على جملةٍ متكاثرة من تفاصيل أسباب التحابب وحذرتْ من جميع أسبابِ التقاطع والتدابُر والعداوة البغضاء بين المؤمنين، على سبيل التفصيل أو على سبيل العموم والإجمالِ، وهذا من محاسن الشريعة الإسلامية الكريمة الربانية، والبسط فيها يطول جدًا؛ فلتنظر في مواطنها من كتب أهل العلم ككتب السلوك والأخلاق والفضائل وكتب الحديث وشروحه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إياكم والظنَّ فإن الظن أكذبُ الحديث، ولا تحسّسوا، ولا تجسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا كما أمركم،

(1) صحيح البخاري (6011) ، صحيح مسلم (2586) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت