الثالث: دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه.
وبطلان هذين النوعين ظاهر لأن المجتهد ليس له الاستناد إلى مجرد عقله في تحسين شيء، وما لم يعبر عنه لا يمكن الحكم له بالقبول حتى يُظهر ويُعرض على الشرع.
وقد أنكر جمهور العلماء (1) النوعين الأخيرين واعتبروهما من الشهوة والهوى حتى قال الشافعي: (من استحسن فقد شرَّع) .
ونقل الشوكاني في إرشاد الفحول ص 241 عن السمعاني قوله:
(إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه ويشتهيه من غير دليل فهو باطل ولا أحد يقول به) (2) .
ثم قال الشوكاني بعد أن ساق أقاويل العلماء في هذا الباب…: (فعرفت بمجموع ما ذكرنا أن ذكر الاستحسان في بحث مستقل(3) ، لا فائدة فيه أصلًا؛ لأنه إن كان راجعًا إلى الأدلة المتقدمة فهو تكرار، وإن كان خارجا عنها فليس من الشرع في شيء بل هو من التقوّل على هذه الشريعة بما لم يكن فيها تارة وبما يضادها أخرى) أهـ.
هذا وقد احتج أصحاب الاستحسانات العقلية والشهوانية بنصوص سوغوا بها استحساناتهم،. لكن جميعها عند التحقيق لا تعينهم على ذلك ولا تسوغ لهم ما أرادوا.
فمن ذلك قوله تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) .
فهذا في الحقيقة حجة عليهم لا لهم لأن أحسن القول والحديث هو ما كان في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى:
(الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد) [الزمر] .
قال أبو محمد علي بن حزم في كتابه الأحكام (2/196) :
(1) إرشاد الفحول 240.
(2) يقصد (بالأحد) هنا: المعتد بهم من أهل العلم والفهم. أما الرويبضة الذين يهرفون بما لا يعرفون ويتكلمون بما لا يعلمون ممن تصدروا اليوم للكلام في أخطر أمور الدين فقد تجرأوا على القول بما هو شر من ذلك وأخبث.
(3) يقصد في أصول الفقه وأبواب أدلة الأحكام.