فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 495

(وَصَوْغُهَا مِنْ لاَزِمٍ) إذًا لا تُصاغ الصفة المشبهة إلا من الفعل اللازم، وهنا نقول: الرحمن الرحيم مشتقان من رَحِمَ بعد نقله إلى باب فعُل، لابد طبقًا للقواعد من بعد نقله إلى باب فعُل، فلما نُقِل إلى باب فعُل وهو لازم غير متعدي نقول: صح اشتقاق الصفة المشبهة من رَحِم بواسطة رَحُمَ، الرحمن الرحيم من جهة المعنى الرحمن الرحيم قلنا: الرحمن من جهة المعنى عام، لماذا؟ لأنه يشمل رحمة جميع الخلق، الرحمة متعلقها هنا عام جميع المخلوقات أي الجن والإنس، وحتى البهائم فهي مرحومة، كونها تُرزق هذه رحمة، كون الكافر يوجد بعد العدم هذه رحمة، كونه يأكل ويشرب هذه رحمة، إذًا الرحمن هذا من جهة المعنى عام، رحمة عامة تعم جميع الخلق إنسًا وجنًا وغيرهما كالبهائم، أما من جهة اللفظ فهو خاص؛ لأنه كلفظ الجلالة، الله لا يسمى به غيره، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم:65] ، يعني لا أحد يسمى باسم الله، كذلك الرحمن خاصٌّ بالله، لا يجوز أن يُسمى أحدٌ من المخلوقين بلفظ الرحمن، إذًا هو عام المعنى خاص اللفظ، أما ما ذكر من تسمية مسيلمة الكذاب رحمن، قيل: إنه من باب التعنت،

سَمَوْتَ بِالْمَجْدِ يَا ابنَ الْأَكْرِمِينَ أَبًا ... وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لاَزِلْتَ رَحْمَانَا

هكذا قال شاعر اليمامة يخاطب مسيلمة الكذاب كاسمه،

سَمَوْتَ بِالْمَجْدِ يَا ابنَ الْأَكْرِمِينَ أَبًا ... وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لاَزِلْتَ رَحْمَانَا

فقيل: هذا من تعنتهم في كفرهم، وتعمقهم في باطلهم، وأجاب بعضهم كالبيجوري في حاشيته على السمرقنديه أن الذي يختص بالله عز وجل هو المحلى بأل، والذي ذكرمن تسمية مسيلمة الكذاب هو رحمن دون أل، والله أعلم.

أجاب بعض الأدباء على البيت السابق:

سَمَوْتَ بِالْمَجْدِ يَا ابنَ الْأَكْرِمِينَ أَبًا ... وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لاَزِلْتَ رَحْمَانَا

خُصِّصْتَ بِالْمَقْتِ يَاابْنَ الْأَخْبَثِينَ أَبًا ... وَأَنْتَ شَرُّ الْوَرَى لاَزِلْتَ شَيْطَانَا

قابل كل تفعيلة بتفعيلة. الرحمن الرحيم نقول: هو من جهة المعنى خاص ومن جهة اللفظ عام، عكس الرحمن، من جهة المعنى خاص؛ لأنها رحمة خاصة بالمؤمنين {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب:43] ، لذلك ابن القيم يقول: جاء رحيمًا بكذا ولم يأتِ رحمن بكذا، فأخذ من هذه التعدية وعدمها أن الرحمن كما يدل على أصل الصفة يدل على الصفة المتعلقة بالذات، كأن يكون أقرب ما تكون صفة ذاتية، والرحيم لما عدي بالباء فيكون أقرب ما يكون المدلول بها الصفة الفعلية، يعني ايصال الرحمة إلى متعلقها. إذًا الرحيم من جهة المعنى خاصٌ بالمؤمنين، {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب:43] ، وجه الاختصاص تقديم ما حقه التأخير، {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب:43] ، (بِالْمُؤْمِنِينَ) جار ومجرور متعلق بـ (رَحِيمًا) ، (رَحِيمًا) هذا خبر (كَانَ) ، وهو مشتق، قال السيوطي:

لاَبُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ ... بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت