( {لَا تَجِدُ} ) بضم الدال، ولا نافية، وهذا نفي لا نهي، ومن أين أُخِذَ النهي ونحن نقول قوله: لا يجوز، يحرم، والتحريم فرد من أفراد النهي، فكيف أخذنا النهي؟ نقول: هنا المراد النهي، وعُبِّرَ بالنفي عن النهي لكونه أبلغ في لسان العرب. إذا قيل: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» . هذا نفي وهو أبلغ من النهي، كأنه قال: لا تصلوا إلا بفاتحة الكتاب. يستدل من يرى وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة بقوله: «لا صلاة» . حينئذٍ نقول: ما وجه الاستدلال؟ وجه الاستدلال كون هذا نفيًّا، والنفي يتضمن النهي، بمعنى أنه لا صلاة موجودة فالنفي حينئذٍ يكون للوجود أصلًا أو للحقيقة الشرعية، فالصلاة المعتبرة شرعًا لا توجد إلا بفاتحة الكتاب، فدل على ماذا؟ على أن الفاتحة لا بد منها في الصلاة حتى تعتبر صلاة شرعية موجودة. هنا قال: ( {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ} ) . يعني هذه صفاتهم، يوادون الكفار، لا تجد مؤمنين بالله واليوم الآخر من صفتهم أنهم يوادُّون يحبون ويصادقون الكافرين، لماذا؟ لأنه لا يجتمع الإيمان مع الموادّة، لا يجتمعان، لا يجتمع الإيمان سواء أصل الإيمان أو كماله الواجب، لا يجتمع مع الموادة لمن حاد الله ورسوله، وهذا النفي هنا كقوله هناك: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31] . إذًا المتابعة علامة وجود المحبة، فإذا لم توجد المتابعة كليًّا انتفت المحبة من أصلها، وإذا وُجِدَت المتابعة مع نقص دل على النقص في المحبة، لا تجتمع قومًا يؤمنون من صفتهم يوادّون، لا تجتمع الموادة مع الإيمان، فإذا انتفت أو وُجدت الموادة على كمالها، انتفى أصل الإيمان، وإذا وجدت في الجملة في بعض أحوالها، قد تجتمع مع أصل الإيمان، أليس كذلك؟ فحينئذٍ نقول: هذا مرتب على صفةٍ متى ما وجدت تلك الصفة حينئذٍ وجد الجواب، وإلا انتفت بانتفائها كليًّا، أو انتفى كمالها بانتفاء كمال ما رُتِّبَ عليه.
حينئذٍ نقول: الإيمان لا يجتمع مع الموادة للكفار من حاد الله ورسوله، هل المراد أن الإيمان لا يجتمع مع الموادة أصلًا؟ أم التمام بالتمام والنقص بالنقص؟ التمام بالتمام والنقص بالنقص، ولذلك قال ابن الجوزي في تفسيره عند هذه الآية، قال: (وهذه الآية قد بَيَّنَت أن مودة الكفار تقدح في صحة الإيمان، وأن من كان مؤمنًا لم يوالِ كافرًا وإن كان أباه أو ابنه أو أحدًا من عشيرته) . لا يجتمعان أبدًا.
( {لَا تَجِدُ قومًا} ) إذًا عرفنا {تَجِدُ} أنه فعل مضارع مرفوع، ورفعه ضمة ظاهرة، و {لَا} هذه تعتبر نافية وهي أبلغ من النهي، لماذا؟ لأن النهي يكون في المستقبل، والنفي يكون في جميع الأزمنة في أي وقت من الأوقات، ( {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ) في أي وقت من أوقات حياتهم يوادون من حادّ الله ورسوله، حينئذٍ جميع الأوقات التي يَصْرِفُ فيها المؤمنون أعمالهم، لا تجد فيها موادة للكفار، الماضي، والحال، والمستقبل، وأما إذا قيل: لا تقم في المستقبل، والماضي مسكوت عنه، حينئذٍ صار النفي أبلغَ من النهي ويستدل به على النهي.