هذه الملة أراد أن يفسرها المصنف رحمه الله تعالى فبَيَّنَهَا بقوله: (أَنْ تَعْبُدَ الْلَّهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الْدِّينَ) . إذًا خلاصتها ملة إبراهيم عليه السلام هي عبادة الله تعالى بالإخلاص، جمعت أمرين:
-عبادة مع إخلاص. وعدم العبادة يكون مناقضًا لملة إبراهيم. وعبادة الله مع عدم الإخلاص وصرف بعض العبادة لغير الله نقول لم يتبع ملة إبراهيم. إذًا كل من اليهود والنصارى والمشركين لم يتبعوا ملة إبراهيم، منهم من لم يعبد الله أصلًا فخالف الملة في أصلها، ومنهم من عبد الله ولكنه شرَّك معه غيره فحينئذٍ خالف الملة أيضًا في أصلها. هذه الملة قال الله جل وعلا عنها {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] ، {مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} أي أهلكها وخسرها.
(أَنْ تَعْبُدَ الْلَّهَ) ذكرنا (أن) هذه حرف نصب ومصدر، و (تَعْبُدَ) هذا منصوب بها، (تَعْبُدَ الْلَّهَ) أي عبادة الله، وعبادة هذا هو المصدر الثالث الذي يأتي من الفعل عَبَدَ يَعْبُدُ عِبَادَةً، التصريف الثالث - كما هو مشهور في كتب الصرفيين - أن المصدر بأن يكون ثالثًا في تصريف الفعل، ضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْبًا، وخَرَجَ يَخْرُجُ خُرُوجًا ونحو ذلك، وهنا عَبَدَ يَعْبُدُ عِبَادَة.
والعبادة لغة: الذل والخضوع، تفسر في اللغة بالذل والخضوع، يقال: طريق معبد إذا وطأته الأقدام فهو مذلل ومهيأ لسلوك الناس عليه. قال الجوهري رحمه الله: أصل العبودية - يعني في لسان العرب - تدور على معنى واحد لا ثاني له، أصل العبودية: الخضوع والذل، إذًا هذا معناها في اللغة، تأتي بمعنى الذي والخضوع، كل اشتقاقات هذه الكلمة من عَبْدٍ وعِبَادة وتَعَبُّد وعُبُودِيّة ومَعْبُودِيّة، ونحو ذلك، كلها تدور على معنى واحد وهو أصل الذل والخضوع. أما في الشرع فذكرنا أن عبادة هذا مصدر، ومعلوم أن المعنى المصدري قد يُطلق ويراد به معناه، وقد يُستعمل في غير معناه، وجاء في الشرع بهذا وذاك، استعمل عبادة وهو مصدر مرادًا به المعنى المصدري، واستعمل عبادة ومرادًا به المعنى الاسمي، ولذلك اختلفت عبارة أهل العلم في تعريف العبادة بناءً على مراعاة المعنى المصدري أو مراعاة للمعنى الاسمي، ولذلك قال بعضهم: العبادة تطلق مصدرًا ويعنى بها التعبد، هذا هو المعنى المصدري التعبد، وهو فعل العابد، ففعل العابد يُسَمَّي عبادة. وتطلق اسمًا ويُعنى بها المتعبَّد به، فالمتعبَّد به كالصلاة نفسها، نقول: هذه عبادة. وفعل العبادة نفسها فعل الصلاة وهو التَّعَبّد هذا يُسَمَّى عِبادة، فبعضهم نظر إلى التعبد وعرّف العبادة، وبعضهم نظر إلى الصلاة والزكاة والصيام وعَرَّفَ العبادة.
إذًا قد تعرَّف العبادة بالمعنى المصدري، وهو فعل العابد، وقد تعرَّف بالمعنى الاسمي وهو ما تستعمل فيه تلك العبادة فيما يُتعبد به لله جل وعلا. فعلى المعنى الأول المعنى المصدري قالوا: العبادة: هي التعبد، هذا هو المعنى المصدري، والتعبد هو غاية الحب وغاية الذل.