فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 321

جمع بينهما الذل والحب، وغاية الذل أي تمامه، وغاية الحب أي تمامه، ولذلك نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على أن أصل الذل لا يكفي في التعبد، بل لا بد من تمامه وكماله وبلوغ غايته، وأن أصل الحب لا يكفي بل لا بد من تمامه وبلوغه غايته. وقيل: العبادة: التعبد الحب مع الخضوع والذّل.

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في العبادة: (هي عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف. لماذا؟ قال مُعَلِّلًا - ابن كثير رحمه الله: لأن الحب الكامل مع الذل التام يتضمن طاعة المحبوب والانقياد له، فالعبد هو الذي ذَلَّلَه الحب والخضوع لمحبوبه، فطاعة العبد لربه تكون بحسب محبته وذله له) .

إذًا الأصل هو الذل والخضوع فحينئذٍ يستلزم ماذا؟ يستلزم الطاعة. لذلك عرَّفَها هنا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله بمفهومها العام الذي يقصد به المعنى المصدري، قال: (هي التذلل لله محبة وتعظيمًا) . فنفس الفعل هو عينه هو العبادة، وإنما يظهر هذا بكمال الطاعة الذي نص عليه ابن كثير قال: يتضمن طاعة المحبوب، وهو ما زاده الشيخ رحمه الله (بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه) وهذا المراد بالمعنى المصدري.

وأما عن الثاني الذي هو المعنى الاسمي فاشتهر تعريف ابن تميمة رحمه الله تعالى بأن العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، بمعنى أن العبادة اسم، هي اسم ولا شك فيها، لكن لها مفهوم، وهذا المفهوم إذا أُطْلِقَ يجمع كل ما أحبه الله جل وعلا ورضيه، فكل ما أحبه الله من آحاد وأفراد من الأقوال والأعمال سواء كانت هذه ظاهرة على الجوارح، أو باطنة في القلب كالمحبة والإخلاص والخشية فهي داخلة في مسمى العبادة. فالعبادة اسم ولها مسمى، صارت علمًا، إذا أُطْلِقَت العبادة في الشرع انصرفت إلى المتعبَّد به، وما هو المتعبد به، كيف نعرفه، نقول: كل ما أمر الله به فهو عبادة، سواء كان على جهة الاستحباب أو على جهة الإيجاب، لماذا؟ لأنه مأمور به، والله جل وعلا لا يأمر إلا بما أحبه ورضيه، وكل ما نهى عنه فهو عبادة يُتقرب بطاعته جل وعلا، ولذلك عَبَّر ابن كثير رحمه الله عن هذا المعنى بقوله: العبادة طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة الرسل. وقيل: هي إتباع أمره واجتناب نهيه). إذًا إتباع الأوامر واجتناب النواهي هو العبادة بالمعنى الاسمي. التذلل والخضوع والانقياد والمسكنة والمحبة مع تمام الجميع هو المعنى المصدري، لا بد من اجتماعها معًا، لا تكون العبادة الاسمية الصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك لا تكون مفردة عن المعنى المصدري لأنها لا تكون عبادة إلا مع تمام الذل والحب، ولذلك لا بد من هذين الركنين معًا، كمال المحبة وكمال الخضوع. وجود أحدهما دون الآخر لا يُسمى عبادة، قد يذل لشخص وهو يبغضه، أليس كذلك؟ العبد ذليل لسيده وقد يُبغضه، إذًا وُجِدَ الذل، بل قد يوجد كمال الذل ولا يُسَمّى عبادة لانتفاء الركن الثاني، قد يحبه ولا يخضع له كمحبة الأب لابنه، يحبه غاية المحبة لكنه لا يخضع له لا يسمى عبادة. لا بد من اقترانهما معًا كما نص على ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في رسالة (( العبودية ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت