فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 321

إذًا العبادة بمعنى التَّعبد فعل العابد لها ركنان:

-كمال الخضوع والذل. والمراد به أن يستكين العبد لله ويخضع له ويذل، يعني ينقاد، كلما سمع أمرًا أو نهيًا انقاد سمعًا وطاعةً، هذا المراد بكمال الخضوع.

الثاني: كمال المحبة. الأول مأخوذ من المعنى اللغوي. كمال الذل والخضوع وهو المسكنة هو معناه اللغوي. الركن الثاني من أين أخذناه، كمال المحبة؟

لأننا ذكرنا قول الجوهري: أصل العبودية الخضوع والذل. هذا ركن واحد.

والركن الثاني هو كمال المحبة. قال أهل العلم: ودلّ على اعتباره - أي كمال المحبة - مع كمال الذل هو أصل التأله وهو التعبد، لأنه جاء {هُوَ اللَّهُ} والله كما سبق مرارًا أنه مشتق من الإله، والإله مأخوذ من ألِهَ يَأْلَهُ إلهًا، والإلوهية هي العبودية.

لله در الغانيات المده ... سبحن واسترجعن من تألهي

أي تعبدي، حينئذٍ دل على اعتبار العبادة أنه لا بد فيها من كمال المحبة، هو معنى خارجي عن أصل المعنى اللغوي لهذا اللفظ، وأن أصل المعنى اللغوي الذي دل عليه في استعمال العرب أنَّه الخضوع والذل، وهذا ركن واحد، تقول: من أين أخذنا الركن الثاني وهو كمال المحبة؟ نقول: ودل على اعتباره مع كمال الذل هو أصل التأله وهو التعبد. قال ابن القيم رحمه الله: التعبد آخر مراتب الحب. أعلاها، آخر مراتب الحب هو التعبد. يقال: عبَّده الحب ويتمه إذا ذُلّ لمحبوبه، فاجتمع الركنان، فحينئذٍ فإفراد الله بالمحبة أصل العبادة، وهذا يستلزم أن يكون الحب كله لله جل وعلا، وفي الله، ولأجل الله سبحانه، وشرط صحة المحبة المتابعة كما جاء في قوله جل وعلا: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31] . لأن هذه المسائل أمور باطنة لا بد لها من أمور ظاهرة تُرْبَطُ بها، وكلٌّ يَدَّعِي وصلًا بليلى، كل يدّعِي محبة الله، وكلٌّ يدعي محبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ما هو الضابط؟

جاء الشرع ببيانه بالمتابعة، إِنْ وُجِدَت المتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وُجِدَت المحبة، وإذا انتفت المتابعة انتفت المحبة، وإذا نقصت المتابعة نقصت المحبة، فالكمال بالكمال والنقص بالنقص.

ولذلك عرف ابن القيم العبادة بهذا التعريف وقال:

وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان

وعليهما فلك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القطبان

ومداره - فسرها، ليس مثبوت هكذا، لا -

ومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان

فحينئذٍ لا بد أن تربط هذه الأمور بأمر ظاهر واضح بَيِّن لا يختلف فيه اثنان، وهو صدق المتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت