إذًا شرط صحة المحبة ودعوى المحبة لله جل وعلا المتابعة، ولا بد فيها من الإخلاص {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] فإن انتفت المتابعة فهو كاذب في دعوى المحبة، وهذا واضح بيٍّنٌ، ولا تنفع عبادة بواحد من هذين الركنين دون الآخر كما نص على ذلك ابن تيمية رحمه الله في رسالة (( العبودية ) )، ولذلك قال بعض السلف: مَنْ عَبَدَ الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد. وهذه مشتملة عليها سورة الفاتحة.
إذًا (أَنْ تَعْبُدَ الْلَّهَ) . عرفنا المراد بالعبادة هنا. العبادة سواء كانت بالمعنى المصدري أو بالمعنى الاسمي. (أَنْ تَعْبُدَ الْلَّهَ وَحْدَهُ) هذه العبادات، الذل والخضوع، وكمال الذل وكمال الخضوع، أو مسمى العبادة من الصلاة والزكاة والذبح والاستغاثة والاستعانة والنذر ونحو ذلك - كما سيأتي أنواع العبادة - هذه قد يُعبد الله بها وحده وقد يُشَرَّكُ معه غيره، لا تكون العبادة عبادة صحيحة إلا إذا أُخْلِصَت هذه العبادة لله عز وجل، ولذلك قال: (أَنْ تَعْبُدَ الْلَّهَ وَحْدَهُ) أي منفردًا، لأن الواحد مأخوذة من الوحدة وهى الانفراد، ولذلك جاء في وصف إبراهيم عليه السلام أنه قال: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . لا بذاته ولا بقوله ولا بعمله، ولا بعقله، ولا بحاله، ولا بمآله، مطلقًا لم يكن. ولذلك قال تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] . لا من قريب ولا من بعيد.