(أَنْ تَعْبُدَ الْلَّهَ وَحْدَهُ) أي منفردًا وهذا هو معنى الإخلاص، عبادة الله بالإخلاص، هذه الجملة تكفي أن يبين أن هذه العبادة إذا كانت مع الإخلاص وهو إفراد الله جل وعلا بالعبادة حينئذٍ هي ملة إبراهيم، وهو التوحيد الذي جاء به الرسل، أكَّد هذا المعنى بقوله: (مُخْلِصًا لَهُ الْدِّينَ) . مخلصًا اسم فاعل من الإخلاص، وهو حال من فاعل تعبد، تعبد أنت حالة كونك مخلصًا، والإخلاص هو الخالص الصافي وهو ما زال عنه الشوائب كذا قال أهل اللغة، ولذلك قيل: هذا لبن خالص أي لم يشبه شيء، فالعبادة إذا أُريد بها وجه الله تعالى وحده وكانت هذه الإرادة لم يشبها شيء، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا حظ من حظوظ الدنيا، لا جاه ولا رئاسة ولا نحو ذلك، نقول: هذا هو الإخلاص. لذلك قال هنا الشيخ: الإخلاص هو التنقية. تنقية لأي شيء؟ للعمل الظاهر، وتنقية العمل الباطن، القلب، والإرادة، التوجه لله عز وجل بالعمل قد يشوبه بعض الشوائب، تنقيته من أي شائبة أخرى هو الإخلاص، ولذلك قال: الإخلاص هو التنقية بمعنى التصفية، والمراد به هنا أن يقصد المرء - أو العبد - بعبادته وجه الله تعالى عز وجل، والوصول إلى دار كرامته، بحيث لا يعبد معه غيره، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123] . حنيفًا مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، ولم يكن من المشركين، فإذا لم يكن من المشركين بذاته تبرأ منهم حينئذٍ تبرأ من شركهم من باب أولى وأحرى، ولذلك جاء: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} [الزخرف: 26، 27] . كما سيأتي في بيان معنى لا إله إلا الله.
(مُخْلِصًا لَهُ) عرفنا معنى الإخلاص، (لَهُ) لله جل وعلا، واللام هنا للاستحقاق، (مُخْلِصًا لَهُ) الضمير يعود إلى الرب جل وعلا، واللام للاستحقاق
(مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) الدين المراد به هنا العمل، وإن كان الدين يطلق مرادًا به الإسلام كله العام والخاص، لذلك لما ذكر جبريل عليه السلام: الإسلام والإيمان والإحسان قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ختام الحديث: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم» . والدين يتضمن كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في رسالة (( العبودية ) ): يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال: يدين الله ويدين لله، يتعدَّى بنفسه وباللام، أن يعبد الله، ويطيعه ويخضع له. قال رحمه الله: فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له، (مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) أي مخلصًا له العبادة، والعبادة تُطلق ويراد بها عمل اللسان، ويُراد بها عمل القلب، ويراد بها عمل الجوارح والأركان، لأن متعلقات العبادة: القلب، واللسان، والجوارح، هذه ثلاثة، هذه محال للعبادة، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله في (( المدارج ) ):