فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 321

(وَخَلَقَهُمْ لَهَا) ، قلنا: اللام هذه للتعليل، لبيان الحكمة من الخلق، وليس تعليل الملازم للمعلول، حينئذٍ علة الخلق هي عبادة الله مع الإخلاص، ( {وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُوِن} . لكن هنا المصنف رحمه الله قال:(وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ جَمِيعَ النَّاسِ، وَخَلَقَهُمْ لَهَا) . أيهما أسبق الخلق أم الأمر؟ نقول: الخلق سابق، والأمر لاحق أليس كذلك؟ الخلق سابق، والأمر لاحق ولا أدري لماذا قدّم؟ (كَمَا قَالَ تَعَالَى) هذا دليل على ماذا؟ دليل على أن الله خلق الناس أجمعين لهذه العبادة الخالصة، فقال تعالى: ( {وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُوِن} [الذاريات: 56] ) . ( {وَمَا} ) هذه نافية، و ( {خَلَقتُ} ) هذا فعل ماضٍ، وفسرنا فيما سبق الخلق بمعنى الإيجاد، وما خلقت أي ما أوجدت، فالخلق بمعنى الإيجاد لكن يقيد مسبوق بالتقدير:

ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ـض القوم يخلق ثم لا يفري

والفري هو التنفيذ، والخلق هو الإيجاد، وهو التقدير، ولأنت تفري ما خلقتَ يعني تنفذ ما قدَّرْتَهُ، وبعض القوم يخلق يُقَدِّرُ ثم لا يفري، لا ينفذ، كلام فقط، يُقَدِّرُ في نفسه يُقَدِّرُ يُقَدِّرُ ثم لا وجود له، إذًا الخلق بمعنى الإيجاد المسبوق بالتقدير. و ( {الجِنَّ} ) هذا عالم غيبي مخفي عنا لا نراه وقد يراه البعض، لكن في الجملة لا يُرى هذا الأصل فيه، وقد يظهرون لبعض الناس لأمر ما. إذًا عالم غيبيّ مخفيّ عنّا، مخلوق من نار، قال تعالى: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن: 15] . سُمُّوا جِنًّا لاجتنانهم، وهو استتارهم، الاجتنان: الاستتار عن العيون، ومنه الْجَنّة والْجِنَّة والْجُنّة ولذلك يقال: روضة الناظر وجُنّة المناظر. وجُنّة يعني ما يستتر به المناظر، ( {وَالإِنسَ} ) ، ( {وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ} وهم البشر، سُمُّوا بذلك لأن بعضهم يأنس ببعض، فهم لا يعيشون بدون إيناس، ففيه معنى الإيناس والحركة أيضًا، لأنه يتحرك بعضهم إلى بعض،( {إِلّا} ) هذه أداة استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي ما خلقت الجن والإنس لأي شيء من الأحوال ولأي شيء من الغايات والحكم إلا للعبادة، وهذا هو معنى الحصر والقصر عند البيانين، أعلى درجات الحصر والقصر أن يُؤتى بما والاستثناء. أعلى الدرجات هذه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت