والحصر والقصر هو، ما هو؟ إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عاداه. أليس كذلك، زيدًا ضربت، هذا حصر، حصر ماذا؟ حصر الضرب في زيد، يعني ما ضربت إلا زيدًا، ونفيه نفي الضرب عن غير زيد، فغير زيد غير مضروب وزيد هو المضروب. ومنه {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يعني ما نعبد إلا إياك، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} هنا قدّم ما حقه التأخير أصلها نعبدك، فصل الضمير أراد القصر فقُدِّمَ وجوبًا، هنا وتقديمه وجوبيّ، فحينئذٍ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} في قوة قوله: ما نعبد إلا إياك، فأُثْبِت العبادة للمعبود الحق جل وعلا وحده دون ما سواه ونُفِيَت عما عاداه، هنا نُفِيتَ جميع الحِكَم عن خلق الإنس والجن إلا حكمة واحدة وهى العبادة، هذا معنى الحصر والقصر. ( {وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُوِن} ) أصلها يعبدونني، فحُذفت النون نون الفعل للام، أليس كذلك؟ على مذهب الكوفيين، ولأنْ المخفاة بعد اللام على مذهب البصريين. يعبدون فعل مضارع أُسْنِدَ إليه الواو فهو من الأمثلة الخمسة، يُرفع بثبوت النون، وينصب ويجزم بحذفها، أليس كذلك، طيب اللام هنا لام التعليل، والفعل المضارع يُنصب بعد لام التعليل على الأصح لدى البصريين بأن مضمرة جوازًا، والنون هذه نقول: ليست نون الفعل، أصلها إلا ليعبدونني بنونين، حذفت النون الأولى وهي نون الفعل للناصب، وبقيت النون الثانية، لماذا جيء بالنون الثانية؟ هذه النون الثانية نون الوقاية، إذًا أضيف الفعل ودخلت عليه - ليس أضيف، لا يضاف الفعل - إذا اتصل بالفعل يا النفس، ياء المتكلم، لزم أن يكون ما قبلها مكسورًا، غلامي، أليس هذا مضاف إلى ياء المتكلم، ألا تقدر عليه جميع الحركات، نقول: نعم، تقدر عليه جميع الحركات لماذا؟ للمناسبة، ما هي المناسبة؟ أن الياء لا يناسب ما قبلها إلا الكسرة، جاء غلامي، ورأيت غلامي، ومررت بغلامي، فحينئذٍ قدرت الكسرة والضمة والفتحة على ما قبل ياء المتكلم للزوم المحل الكسرة، وهذه الكسرة إنما جيء بها لمناسبة الياء، لا توجد ياء إلا قبلها كسرة، طيب، إذا اتصلت هذه الياء بالفعل، الفعل لا يدخله الكسر، قالوا: نأتي بنون نسميها نون الوقاية لأنها وقت الفعل عن الكسر:
وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الفِعْلِ التُزِمْ ... نُوْنُ وِقَايَةٍ وَلَيْسِي قَدْ نُظِمْ
( {لِيَعْبُدُوِن} ) النون هذه هذا الشاهد، ليعبدوني، النون هذه مكسورة، وكيف تكون مكسورة وأنتم تقولون: تأكلونَ؟ نقول: ليست هي النون التي أُثْبِتَتْ هنا في المصحف، إنما النون التي تكون مفتوحة وهي نون الرفع محذوفة للناصب، أصلها يعبدونني حُذِفَت النون الأولى للناصب بأن المصدرية، وبقيت النون الثانية نون الوقاية، وحُذِفَت ياء المتكلم لغةً في لسان العرب.