والمصنف رحمه الله أراد أن يشير إلى أن العبادة إن لم تكن مبنية على التوحيد فليست عبادة، لذلك اختار هذا القول ليبين أن التوحيد بالنسبة للعبادة ركنها، فإن لم يكن التوحيد في العبادة فليست بعبادة شرعية، العبادة مبنية على التوحيد، فكل عبادة لا توحيد فيها ليست بعبادة. قال تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» . لذلك قال ابن عثيمين هنا رحمه الله في هذا المعنى: (يعنى التوحيد من معنى العبادة، وإلا فقد سبق لك معنى العبادة، وعلى أي شيء تُطلق أنها أعمّ من مجرد التوحيد) .
( {إِلّا لِيَعْبُدُوِن} ) ذكرنا فيما سبق أن المراد بها العبادة الشرعية لا الكونية. والعبادة الشرعية: هي الخضوع لأمر الله تعالى الشرعيّ وهذه خاصة بمن أطاع الله تعالى واتبع ما جاءت به الرسل، مثل ما جاء في قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] . وأما العبادة الكونية وهو ما يقضيه سبحانه ويقدره على عباده مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، من المصائب الخاصة والعامة، هذه عبادة كونية، قال الشيخ عنها: وهي الخضوع لأمر الله تعالى الكوني. هذه شاملة لجميع الخلق لا يخرج عنها أحد أبدًا، وتسمى عبودية الربوبية، والعبادة الشرعية تسمّى عبادة الطاعة والامتثال. وهذه عبودية الربوبية قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] . فهي شاملة للمؤمن والكافر والبر والفاجر.
إذًا قال الله تعالى في هذه الآية: ( {وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُوِن} ) . قد يعبدون، وقد لا يعبدون، فالله تبارك وتعالى إنما شاء العبادة من عباده وأرادها منهم، وقضاها عليهم في الشرع لا في الكون، فمن أطاع أمره وأتى بما أراد منه فله رضاه والجنة، ومن خالف في ذلك فله سخطه والنار، ولو شاء الله من جميعهم العبادة وأرادها في الكون لم يكن لهم بد من ذلك، ولم يكن لأحد إلى معصية الله من سبيل.
ثم قال رحمه الله: (وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ الْلَّهُ بِهِ الْتَّوْحِيدُ، وَهُوَ: إِفْرَادُ الْلَّهِ بِالْعِبَادَةِ) . يأتي الحديث عنه.
وصلّى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.