فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 321

ثم بَيَّنَ أن الرب - جل وعلا - أمر عباده بأوامر، ونهاهم عن نواهٍ، وهذا مقتضى ( {يَعْبُدُونِ} ) . وهذا قد يشير إلى أن المصنف رحمه الله تعالى إنما فسّر قوله جل وعلا: ( {لِيَعْبُدُوِن} ) . ببعض أفراده؛ لأنه قال: {إِلّا لِيَعْبُدُوِن} (وَمَعْنَى {يَعْبُدُونِ} يُوَحِّدُونِ) ، فسره بالتوحيد، فكأن العبادة هي التوحيد، والتوحيد هو العبادة، ثم قال: (وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ) . إذًا ثَمَّ أوامر، من أين أخذنا؟ من قوله: {إِلّا لِيَعْبُدُوِن} . كما قال علي بن أبي طالب: إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم لعبادتي. وهذا أمر عام، وهو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلا لآمرهم وأنهاهم كما جاء في قوله تعالى هناك: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون: 115] ، {أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً} [القيامة: 36] . أي لا يؤمر ولا ينهى كما قال الشافعي رحمه الله تعالى. فحينئذٍ العبادة التي خلق من أجلها هي أن يحقق الأمر والنهي، أن يمتثل ما أمر الله به، وأن يجتنب ما نهى الله عنه، (وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ الْلَّهُ بِهِ) ، إذًا ثَمَّ أوامر، وأعظم هذه الأوامر التي أمر الله بها التوحيد (وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ الْلَّهُ بِهِ الْتَّوْحِيدُ) ، إذًا ثم أوامر لله جل وعلا، وهى ليست على مرتبة واحدة؛ بل منها ما هو عظيم، وكلها عظيمة لكن بعضها يفوق بعض، كما أن الواجبات تتفاوت بعضها آكد من بعض، والمحرمات تتفاوت بعضها أشد تحريمًا من بعض، (وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ التَّوْحِيدُ) لأن العبد لا يدخل في الإسلام إلا به، إلا بالتوحيد، ولا يخرج منه إلا بضده، ولم يزحزح عن النار ويُدخل الجنة إلا به، ولا يخلد في النار ويُحرم الجنة إلا بضده، ولم تدع الرسل والأنبياء إلى شيء قبله، ولم تنه عن شيء قبل النهي عن ضده، فدل على أنه أعظم الأوامر، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أرسل من يدعو إلى الله جل وعلا قال: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله» . فدل على أن أعظم ما أمر الله به هو التوحيد.

التوحيد هذا مصدر للفعل الثلاثي المزيد بتضعيف عينه، مصدر وَحَّدَ، وَحَّدَ هذا نقول فيه: ثلاثي مزيد بتضعيف عينه، وَحَّدَ يُوّحِّدُ تَوْحِيدًا فهو مصدر. وحينئذٍ كما سبق أنَّ المصدر هو معنى مصدري يدل على فعل الفاعل.

إذًا التوحيد نقول في اللغة من حيث الاشتقاق: هو مصدر وَحَّدَ يُوّحِّدُ تَوْحِيدًا، مصدر للفعل الثلاثي المزيد بتضعيف عينه وهو الذي يأتي ثالثًا في تصريف الأفعال كما هو مشهور الصرفيين، والتوحيد هذا مشتق من الوحدة، يعنى فيه معنى الوحدة، والوحدة المراد بها الانفراد، فالتوحيد مشتق من الوحدة وهي الانفراد، تقول: جاء الرجل وحده أي منفردًا، وفلان لا واحد له، وواحد دهره، أي لا نظير له. إذًا يدل على معنى الوحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت