والتوحيد من حيث اللغة - لأننا قلنا: هو فعل الفاعل - هو جعل الشيء واحدًا، {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص: 5] أي جعله في اعتقاده، كما سبق التنبيه عليه، جعله أي في اعتقاده، والنسبة هنا تَفْعِيل تَوْحِيد الأصل فيها أنها نسبة كما تقول مثلًا لأن مادة فَعَّلَ يُفَعِّلُ تَفْعِيلًا لها معانٍ، فحينئذٍ من معانيها، المناسب هنا أن يقال: لنسبة الشيء إلى الصفة، أو الصفة إلى الشيء، فتقول مثلًا: كذبته. بمعنى أنك نسبته إلى الكذب، فَسَّقْتَهُ بمعنى أنك نسبته إلى الفسق، هل أنت جعلته فاسقًا، لا، وإنما نسبته إلى الصفة، ولذلك نقول: التفعيل هنا المقصود به نسبةٌ كالتصديق والتكذيب إذا نسبته إلى الصدق وإلى الكذب، لا للجعل الخارجي، أما في القلب فلا شك أن فيه معنى الجعل، فمعنى وحدت الله، ما معنى وحدت الله؟ أي نسبته إلى الوحدانية، لا جعلته واحدًا، لماذا؟ لأن الوحدانية صفة، وهذه صفة لله جل وعلا لا بجعل جاعل، ليست بفعل فاعل من المخلوقين، عندما تقول: وحدت الله أي نسبته إلى الوحدة، وهي الانفراد، هل أنت جعلت الله منفردًا؟ نقول: تعالى الله، ليس لك يد في ذلك، وإنما تجعله واحدًا في اعتقادك، وأما في الخارج فهو نسبتك الرب جل وعلا إلى هذه الصفة، أو نسبة هذه الصفة إلى الرب جل وعلا.
إذًا معنى وحدت الله أي نسبته إلى الوحدانية، لا جعلته واحدًا؛ لأن الوحدانية صفة لا بجعل جاعل.
أما التوحيد فهو فعل المكلف، إفراد الله بالعبادة، هذا فعلك أنت، ويقال: الله الواحد الأحد، أي المتفرد بالذات والصفات في عدم المثل والنظير. وأَحَّدَ اللهَ ووَحَّدَهُ أي نسبه إلى الوحدة والانفراد فهو سبحانه منفرد في ذاته وصفاته وأفعاله.
إذًا الخلاصة نقول: التوحيد مأخوذ من الوحدة وهي الانفراد. معنى وحَّدت الله أي نسبته إلى الوحدانية وهي هذه صفة متعلقة بالرب جل وعلا، لا بجعلك أنت أيها المكلَّف، وإنما التوحيد الذي هو أفراد الله بالعبادة هذا فعلك أنت، ونسبة الوحدانية إلى الله جل وعلا هذه جاءت من صيغة التفعيل وهو التوحيد.
إذًا عرفنا أن التوحيد هو مشتق من الوحدة وهي الانفراد، وأما في الشرع فالتوحيد مطلق التوحيد وجنس التوحيد المراد به: اعتقاد أن الله واحد لا شريك له. اعتقاد هذا افتعال من الْعَقْدِ، وهو ربط الشيء، يقال: عقد الحبل، إذا شَدَّ بعضه ببعض، نقيض حلِّهِ، ومادة عقد في اللغة مدارها على اللزوم والتأكيد والاستيثاق، ولذلك قال تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89] . وهذا إنما يكون بماذا؟ بقصد القلب وعزمه، هذا يفارق ماذا؟ لغو اليمين، اللفظ واحد والله والله، ولكن إذا وافق الأول قصد القلب وعزمه، حينئذٍ نقول: هذه عقد يمين، وإذا كان لفظًا مجردًا عن العزم والقصد صارت لغو يمين.