(فَإِذَا قِيلَ) . (قِيلَ) هذا فعل مغير الصيغة، حذف المصنف هنا رحمه الله تعالى الفاعل، من هو القائل؟ من هو السائل؟ حذفه ولم يذكر الفاعل بنى الفعل لِمَا لَمْ يُسَمَّ فاعله، لماذا؟ لأن المقصود هو الجواب، المقصود الأصلي بهذه الرسالة هو الجواب، وإذا كان المقصود الجواب حينئذٍ لا يختلف الجواب باختلاف سائله: من ربك؟ ربي الله. حينئذٍ من ربك لو كان السائل أباك، أو كان السائل ملكًا، رسولًا، نبيًّا، أيًّا كان فالجواب واحد. فإذا كان الجواب واحدًا متحدًا مع اختلاف السائلين، حينئذٍ نقول: لا عبرة بالنظر للسائل، ولذلك حذفه المصنف رحمه الله تعالى. إذًا لأن المقصود الأصلي هو الجواب، وإذا كان كذلك فلا يختلف باختلاف السائل، وعليه فلا أهمية لذكره ـ لذكر السائل.
(فَإِذَا قِيلَ) : قدره ابن القاسم رحمه الله، فإذا سألك سائل. سائل هذه أيضًا فاعل، لكن ما استفدنا من هذا التعبير من هو السائل؟ وهذا له أصل في لغة العرب أيضًا أن يُعَبَّر عن الفاعل بما اشتق منه أصل الفعل، قال قائل، نام نائم، هذا صحيح {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} [المعارج: 1] . جاء في القرآن، وإذا جاء في القرآن حينئذٍ لا يذم. (فَإِذَا قِيلَ لَكَ) يعني سألك سائل (مَا الأُصُولُ) ؟ (مَا) هذه استفهامية، إذًا هذا سؤال (مَا الأُصُولُ) ؟ (الأُصُولُ) فُعُوْل جمع أصل جمع فَعْلٌ، والأصل في اللغة: هو ما يُبْنَى عليه غيره. ومن ذلك أصل الجدار، وهو أساسه، وأصل الشجرة الذي يتفرع منه الأغصان. قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 24] . إذًا الأَصْل ما بُنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ
فَالأَصْلُ مَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ بُنِي ... وَالْفَرْعُ مَا عَلَى سِوَاهُ يَنْبَنِي
وهذه الأصول الثلاثة يُشير بها المصنف رحمه الله تعالى إلى الأصول التي يُسأل عنها الإنسان في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ولذلك قال: (الثَّلاثَةُ) . أي المعدودة بالثلاثة، ولا يفهم أن أصول الدين كله محصورة في ثلاثة، لا، ثَمَّ أصول أخرى، الإيمان بالملائكة أصل، والإيمان بالكتب أصل، والإيمان باليوم الآخر أصل. إذًا هذه أصول، وهذه أصول، لكن لما كانت هذه الأصول أساسًا في بنية تلك الأصول عليها، حينئذ صارت أصولا مستقلة من هذه الحيثية، بمعنى أن التوحيد هو الأساس، معرفة العبد ربه معبوده، وصرف العبادة له وحده دون ما سواه حينئذ تأتي تلك الأصول، وإلا ماذا يستفيد من الإيمان بالملائكة ثم بعد ذلك هو يشرك بربه جل وعلا.
إذًا (مَا الأُصُولُ الثَّلاثَةُ) أي المعدودة بثلاثة، وهذا كما ذكرنا فيما سبق لا مفهوم له، ومعنى الأصل هنا هو المعنى اللغوي، كما ذكرناه سابقًا، لأن الأصل له معنى لغوى، ومعنى اصطلاحي.
في الاصطلاح يطلق بمعنى الدليل، بمعنى الرحجان، بمعنى القاعدة المستمرة، بمعنى المقيس عليه، وهذه كلها لا تصلح هنا وإنما مراده ما يُبْنَى عليه غيره ولذلك سمى هذه الكتاب وهذه الرسالة بذلك لأن هذه الأصول هي التي يُبنى عليها الدين كله وخاصة الأصل الأول.