(وَأَنْوَاعُ) هذا جمع نوع، والمراد بالنوع هنا المثال أو الصنف. يعني إما أن يكون قوله: (وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ) يعني أمثلة العبادة أو أصناف العبادة لأن العبادة أنواع. لأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وأنواع قلنا: المراد بها أمثلة العبادة وأصناف وليس المراد به النوع الذي يكون عند المناطقة، أنها مقول ... ، لا، لي هذا المراد، المراد بالنوع هنا الصنف والمثال لأن العبادة تحتها شيء متعدد، ولها أفراد ولها آحاد. حينئذ نحتاج إلى معرفة ما يصدق عليه أنه عبادة.
(وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ) أي أمثلة وأصناف العبادة، أنواع هذا مضاف، والعبادة مضاف إليه، والإضافة هنا لامية يعني على تقدير معنى اللام، أنواع للعبادة، ويمكن أن تكون على معنى من، أنواع من العبادة، وتكون من حينئذ بيانية. ولا بأس أن تكون تبعيضية، يعني أنواع التي هي بعض من العبادة.
(وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ) التي يُخضع ويتذلل لله بها، والتي أمر الله بها، إمّا أمر إيجاب، وإما أمر استحباب لأن العبادة تكون مأمورًا بها، كل ما أمر الله به فهو عبادة، ثم الأمر قد يكون أمر إيجاب، وقد يكون أمر استحباب.
إذًا العبادات منها ما هو واجبة، ومنها ما هو مستحبة، عبادات مستحبة، وعبادات واجبة، وكل منهما، إما أن تكون قلبية، إما أن تكون قولية، إما أن تكون فعلية، فالقسمة حينئذ تكون سداسية: عبادة واجبة قلبية، وعبادة واجبة قولية، وعبادة واجبة فعلية، وعبادة مستحبة قلبية، وعبادة مستحبة قولية، وعبادة مستحبة فعلية.
إذًا لا يختص مفهوم العبادة بالواجبات، كما قد يتبادر إلى ذهن البعض، لأنه يترتب عليه أن صرف العبادة لغير الله شرك أكبر. حينئذ لو اختصت العبادة بالواجبات للزم من ذلك أن يكون صرف العبادة المستحبة لغير الله ليس شركًا أكبر.
إذًا الشرك الأكبر هو صرف العبادة سواء كانت كلها، أو بعضًا منها:
وصرف بعضها لغير الله ... شرك وذاك أقبح المناهي
وسواء كانت العبادة واجبة، أو كانت العبادة مستحبة، لأنها مما أمر الله به، وأمر الله قد يكون أمرًا واجبًا وقد يكون أمرًا مستحبًا، كما هو مقرر في كتب الأصول.
إذًا (الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا) تقول: العبادات مأمور بها، لأنه جعل التي أمر الله بها كأنه قال: وأنواع العبادة المأمور بها، لأن التي وما دخلت عليه في تأويل مشتق. الموصول مع صلته عند البيانيين في تأويل مشتق، كأنة قال: وأنواع العبادة المأمور بها، والمأمور به قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا، (مِثْلُ) ماذا؟ (مِثْلُ: الإِسْلامِ، وَالإِيمَانِ، وَالإِحْسَانِ) .
(مِثْلُ) هذا يشرح لنا قوله: (وَأَنْوَاعُ) أنه أراد به ماذا؟ أراد الأصناف والأمثلة. (وَأَنْوَاعُ) هذا مبتدأ خبره قوله (مِثْلُ) .