(مِثْلُ: الإِسْلامِ، وَالإِيمَانِ، وَالإِحْسَانِ) ذكر هنا هذه المراتب الثلاث، الإسلام والإيمان والإحسان من أنواع العبادات، جعلها نوعًا، وصنفًا ومثالًا للعبادة. وسوف يذكرها مستقلة في مراتب الدين مرة أخرى، سيكرر ذكر هذه المراتب الثلاث مرة أخرى، ولذلك لم يذكر لها أدلة هنا وإنما شرع في بيان أدلة ما ذكر من بعد قوله: (وَمِنْهُ: الدُّعَاءُ) . قال: (وفي الحديث: «الدعاء مخ العبادة» . وقال الله تعالى: {ادْعُونِي} [غافر: 60] ) ... إلى آخره. حينئذٍ أول ما بدأ في ذكر الأدلة لأنواع العبادات بدأ بالدعاء لماذا؟ ولم يذكر الإسلام والإيمان والإحسان مع كونه قد جعلها أنواعًا للعبادات لأنه سيذكرها مستقلة، كل منها تحته مسائل سيفرد لها فصولًا.
وهذه الثلاثة الإسلام والإيمان والإحسان، مراتب للدين كما جاء في حديث جبريل: ( «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» ) . أو «يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ» . فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ما سئل عن الإسلام والإيمان والإحسان جعل هذا كله الدين.
إذًا مراتب الدين ثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان. فهذه مراتب للدين كما في حديث جبريل، وليست قسيمة لما سيذكره من الذبح، والنذر، والمحبة، والخشية، لا، فيقال: المحبة والخشية قسيمان، ولا يقال: المحبة والإسلام قسيمان، المحبة والخشية والنذر ونحو ذلك هذه أقسام وكلٌّ منها قسيم للآخر، ولا يقال المحبة قسيمة للإسلام لماذا؟ لأن المحبة نوع من أنواع العبادة، والإسلام والإيمان والإحسان، هذه مرتبة، أصل كلى. إذًا ليست قسيمة، فالخوف والمحبة قسيمان ونوعان وليست مع بعضها مراتب، فالإسلام والإيمان والإحسان أنواع للدين، لا للعبادة.
حينئذ يرد الإشكال، لما ذكرها المصنف رحمه الله؟ إذا كانت هذه ليست أنواعًا من العبادة، وإنما هي أقسام للدين وأنواع للدين لا للعبادة، قد يجاب بأنه ذكر العبادات، بذكر أصولها. فكل العبادات ترجع إلى هذه المراتب الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان إذا اجتمعت، فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفسر الإيمان بالأعمال القلبية الباطنة، والإحسان هو المنتهى والغاية في الأعمال القلبية.
حينئذ هذه الأنواع التي ذكرها في العبادات إما أنها ترجع إلى الإسلام وهو ما كان ظاهرًا، وإما أن ترجع إلى الإيمان وهو ما كان باطنًا. إذًا بدأ بذكر أصول العبادات فكل ما ذكره أنواعًا من أنواع العبادات ترجع إلى المراتب الثلاثة. ولذلك غاير ونوَّع في التمثيل، ذكر بعضًا من أنواع العبادات التي تكون قلبية، وبعضًا من العبادات التي تكون فعلية، وبعضًا من العبادات التي تكون [قولية] . لأن محل العبادة كما سبق ثلاثة محال اللسان والقلب والجوارح، وكل منها له أحكامه التي تتعلق بأحكام العبودية الخمسة، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومدارها أي العبودية على خمس عشرة قاعدة، من كمّلها كمل مراتب العبودية على ما ذكرناه.
إذًا مَثَّل هنا للعبادات القلبية وهو أكثرها، وللعبادات القولية، وللعبادات الفعلية، فأراد بالتمثيل وتنويع الأمثلة أراد بذلك الدلالة على شمول العبادة لجميع محالها، اللسان والقلب والجوارح.