إذًا (وَمِنْهُ: الدُّعَاءُ) أي سؤال الشفاعة في الآخرة، (وَمِنْهُ: الدُّعَاءُ) أي التوسط في الدنيا، فمعنى الدعاء هنا لما اجتمع مع الاستعانة وما عُطِفَ عليها، بمعنى طلب الوسائط.
(وَمِنْهُ: الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ) . وما عُطف عليها هذه كلها سيأتي المصنف رحمه الله تعالى لذكر أدلتها وبيان ما تعلق بها.
(وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ) لأنه لم يقصد الاستيعاب والحصر لكل العبادات، بل أراد أمثلة، وهذه الأمثلة متنوعة. قال: (وَغَيْرُ ذَلِكَ) . لأن العبادة تشمل الدنيا كلها فهو لم يقصد الاستيعاب، (وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ) كالصبر، وبر الوالدين، وصلة الأرحام والجهاد ونحو ذلك كلها من أنواع العبادات التي يُنوى بها التقرب إلى الله جل وعلا، التي أمر الله بها، أمر إيجاب أو استحباب (كُلُّهَا) ، أي كل تلك الأنواع أنواع العبادة مما ذكره المصنف ومما لم يذكره (لِلَّهِ تَعَالَى) وحده لا شريك له، كلها لله، لأنه لا يجوز أن يُصرف شيئًا من العبادة وإن قل لغير الله تعالى، لِمَا سيذكره المصنف رحمه الله تعالى من الدليلين، (كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى) أي كل أنواع العبادة مما ذُكِرَ وغيره لله وحده لا شريك له، فلا يحل صرفها لغير الله تعالى.
(وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى) ، (وَالْدَّلِيلُ) على ماذا؟ على وجوب صرفها لله، وأنه لا يجوز صرفها لغير الله، الدليل هو (قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] ) . هذه الآية مرت معنا، ( {وَأنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} ) قلنا: فيها تفسيران:
-المساجد قد يُراد بها البيوت، بيوت الله عز وجلا التي تُفعل فيها العبادة،
-أو المراد بها جمع مسجد، وهو مَفْعِل، والمراد به أعضاء السجود، وهذا جزء من العبادة وتلك أعم، وفُسّر بهذا وذاك. ( {وَأنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} ) مختصة بالله، ومستحقة لله جل وعلا، وهذا فيه إثبات إفراد الله جل وعلا بالعبادة لوجود اللام هذه، لكن لما كان ثم احتمال ( {وَأنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} ) والتوحيد مقام إيضاح وبيان ولا بد من الإثبات والنفي الصريح قال: ( {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} ) . ( {فَلَا} ) هذه ناهية، والنهي يقتضي التحريم، فنهى عن صرفها لغير الله، ( {وَأنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} ) التي هي بيوت الله، وتفعل فيها العبادات لله عز وجل وحده لا شريك له، ( {فَلَا تَدْعُوا} ) إذًا نهى أن تصرف تلك العبادات، أو شيئًا منها لغير الله جل وعلا.
( {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} ) ، ( {تَدْعُوا} ) هذا يشمل النوعين: دعاء العبادة ودعاء المسألة، وبعضهم قال: بل هو خاص بدعاء المسألة، وذكر دون غيره، لأنه يدل على غيره. فحينئذ ذكر الأصل، فيستلزم كل فرع، والأولى أن يُجعل عامًّا.