إذًا الشهادة نقول: خبر قاطع، وأُطْلِقَ لفظ الشهادة على شهادة أن لا لإله إلا الله لأنه إذا أُطْلِقَ اللفظ هكذا قيل: الشهادة. انصرف إلى شهادة أن لا إله إلا الله، لأنها أعظم شهادة يُشهد بها هي هذاه الشهادة، وأعظم لأنها أعظم شهادة في الوجود على أعظم مَشْهُودٍ به فلا يَنْصَرِفُ الإطلاق إلا إليها، ما الدليل؟ قال: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] ). هذا دليل الشهادة، على ماذا؟
يستدل على أن الشهادة ماذا؟
ماذا يريد المصنف هنا؟
أنها ركن من أركان الإسلام [أحسنت] لأنه قال: (فَأَرْكَانُ الْإِسْلاَمِ خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) يريد أن يُدَلِّلَ على كل واحد من هذه الأمور الخمسة بأنها ركن، وأن الشرع قد أمر به أمرًا جازمًا على جهة الركنية، قال: فدليل الشهادة ( {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} ) شَهِدَ في لسان العرب وفي الشرع متضمنة للعلم والإخبار والإلزام والحكم والقضاء، فهذه المعاني كلها داخلة في معنى شَهِدَ، وهنا حصل وجه الاستدلال بالآية، فشَهِدَ معناه أخبر وبيَّن وأعلم وحكم وقضى أنه لا إله إلا هو، شهد نأْخُذ منها هذه المعاني كلها، شهد بمعنى أنه أخبر وبين وأعلم غيره، لا بد من الإعلام، وقضى وحكم أنه لا إله إلا هو، يعني أن ما سواه ليس بإله، وأن إلهية ما سواه باطلة، فلا يستحق العبادة سواه كما لا تصح الإلهية لغيره، وهذا المعنى يستلزم ماذا؟ يستلزم الأمر بالشهادة، إذا قيل: بأنه أخبر وبين وحكم وقضى، إذًا الشهادة مأمور بها، لأنه لو لم يكن مأمورًا بها حينئذٍ ما وجه كونها قد أخبر بها وبينها لعباده وقضى وحكم بمدلولها، نقول: هذا يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلهًا والنهي عن اتخاذ غيره معه إلهًا.
إذًا ( {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} ) نقول: دلت الآية على أنه وحده هو المستحق للعبادة فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحقه الرب تعالى عليهم وأن القيام بذلك هو خالص حقّه عليهم.
( {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} ) أي أنه لا معبود حق إلا هو جل وعلا، ( {وَالْمَلاَئِكَةُ} ) أي وشهدت الملائكة بذلك بالوحدانية، ( {وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ} ) أي شهد أولوا العلم على وحدانية الرب جل وعلا، والمراد بأولي العلم هنا من أي علم شرعي أم دنيا؟ العلم الشرعي، وأولى من يدخل فيه هم الرسل والأنبياء والعلماء، فحينئذٍ نقول: استشهد الرب جل وعلا بالملائكة.