فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 321

الشهادة لله جل وعلا بالوحدانية، الشهادة في الأصل هي اعتقاد جازم لا تكون إلا عن علم، لا بد من العلم، فإذا لم يصاحبه علم فهو كذب في دعواه الشهادة لا تُسمى شهادة، لو شهد في ظنه وإنه قد شهد بلسانه دون أن يتواطأ القلب مع لسانه نقول: هذا ليس بشهادة. قال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} . ثم قال: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] . هم يقولون: نشهد إنك لرسول الله، كاذبون؟ الله يقول: كاذبون، وأنت تقول: لا. كاذبون وليسوا بكاذبين، قطعًا كاذبون الله يقول: كاذبون نقول: كاذبون عرفنا أو لم نعرف، ما تتردد، فهمنا أو لم نفهم، يقول: كاذبون، كاذبون، ما في شك هذا.

{نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} . هنا كلمتان، نشهد إنك لرسول الله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون في دعواهم الشهادة، لأن الشهادة لا بد من مواطأة القلب مع اللسان، وهنا لم يتواطأ القلب مع اللسان، فصاروا كاذبين في دعوى الشهادة لا في المشهود به، المشهود به حق وهو: إنك لرسول الله، هذا ليس التكذيب مصلتًا على هذا، وإنما التكذيب لقولهم: نشهد، وهم منافقون، والنفاق ما هو النفاق؟ أن يعتقد بقلبه ما ليس بلسانه، وأن يبوح بلسانه ما ليس في قلبه، إذًا لم يحصل التواطؤ بين القلب واللسان. فحينئذٍ لما انتفى الاعتقاد والعلم في القلب مع دعوى الشهادة كذبهم الله، {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} في دعواهم الشهادة لا في كونك رسول الله، بل هو حق لذلك قال: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ}

قدم مقدمة {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} . ثم قال: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} . واضح هذا؟

إذًا الشهادة لا بد من اعتقد جازم يتواطأ فيه القلب مع اللسان، فإذا لم يحصل التواطؤ والتوافق حينئذٍ لو ادَّعى الشهادة فهو كاذب.

نقول: الشهادة هي: الاعتقاد الجازم بمدلول كلمة التوحيد، لأنه قال: (فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ) . إذًا لا بد من اعتقاد جازم بمدلول كلمة التوحيد، ويعبِّر عن هذا الاعتقاد اللسان، أن يعبر بلسانه ما استقر واستيقنه قلبه، فأطلق لفظ الشهادة على الاعتقاد لتأكيد الجزم بهذا المعتقد، لأنه لا بد أن يكون اعتقادًا جازمًا لا يكون عقيدة إلا مع الجزم، لأن الأصل في الشهادة أن يكون المشهود به إما مرئيًّا وإما أن يكون مسموعًا هذا الأصل. لو قلت: أشهد بكذا. إما أنك سمعت أو رأيت، «أرأيت الشمس» ؟ قال: نعم، قال: «على مثلها فاشهد» . حديث ضعيف والمعنى صحيح.

إذًا لا بد من أن تكون الشهادة مقرونة إما برؤية المشهود به أو سماعه، فحينئذٍ نُزِّلَ الاعتقاد الجازم مُنَزَّلة المرئي أو المسموع لقوة ماذا؟ لقوة جزمه، أما يمر معنا: (تنزيل المعقول مُنَزَّلَة المحسوس) كأنه يُرى فيشار إليه باسم الإشارة، كذلك هنا نُزِّلَ الاعتقاد الجازم مُنَزَّلَة المحسوس كأنه مرئي أو مسموع لقوة هذا المعتقد وجزمه، فلذلك عُبِّرَ عنه بالشهادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت