فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 321

أما المعنى اللغوي فالمشهور عند الكثيرين أنه بمعنى التصديق {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] . يعني وما أنت بمصدقٍ لنا. {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} [العنكبوت: 26] . أي صدَّقه لوط عليه السلام، ولكن هذا التصديق ليس على إطلاقه بل لا بد أن يكون متضمنًا لمعنى الإقرار، لماذا؟ لأن الإيمان إذا كان بمعنى التصديق، صدَّقه هذا تعدَّى بنفسه، وآمنه هذا لا يتعدى بنفسه، فيقال: صدقه، ولا يقال: آمنه، لماذا؟ لأن صدقه متعدٍّ بنفسه، وآمن هذا لا يتعدى بنفسه، يعني لا ينصب مفعولًا به بنفسه بل لا بد من واسطة، وحينئذٍ إذا تقرر هذا، لا يمكن أن يُفسر اللازم بالمتعدّي، فلا يقال الإيمان هو التصديق، إلا إذا جُعل في التصديق معنى آخر، يعني ضُمِّن معنى آخر وهو الإقرار. فحينئذٍ نقول الإيمان في اللغة: التصديق وفيه معنى الإقرار، وذكر بعضهم أن الإيمان لغة هو الإقرار، ولا إقرار إلا بتصديق، لماذا؟ لأن التصديق معلوم أنه مأخوذ من الصدق، والإيمان هذا إفعال من باب أَفْعَلَ آمَنَ أأمن من باب أَكْرَمَ، حينئذٍ يكون مأخوذًا من الأمن، ففيه معنى الأمن فهو مشتقٌّ من الأمن، والأمن لا شك أن فيه معنى الطمأنينة، وهذا فيه زيادة معنى على مجرد التصديق، فحينئذٍ يفسر الإيمان بالإقرار، ولا إقرار إلا مع أو بعد تصديق، فيقال: صدقته، ولا يقال آمنته، بل يقال: آمنتُ به، وآمنت له، {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} [العنكبوت: 26] {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] ، وبعضهم يجعل ثَمَّ فرقًا بين الإيمان اللغوي والشرعي في القران بهذا الضابط، إذا جاء لفظ الإيمان متعدِّيًا باللام فيفسر بالمعنى اللغوي، كما ذكرنا من الآيتين، وإذا جاء متعدّيًا بالباء فيفسر بالمعنى الشرعي {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: 285] {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ} [البقرة: 137] ، حينئذٍ تعدَّى بالباء، هذا يكون المراد به الإيمان الشرعي إذًا ثَمَّ فرق بين اللفظين من جهة اللغة.

حينئذ نقول: الإيمان لغة هو: الإقرار أو التصديق المضمن معنى الإقرار. وإذا قيل بأنه الإقرار لا ينافي التصديق، لأنه لا يوجد إقرار إلا بعد تصديق، ولذلك تفسر الشهادة، أشهد أن لا إله إلا الله أُقِرُّ بلساني ما أعتقده بقلبي، وكذلك في شهادة أن محمدًا رسول الله.

وأما الإيمان في استعمال الشرع، فله إطلاقان - كما ذكرناه سابقًا - يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام، وهذا ما يُعنون له بالإيمان العام، أن يُطلق بإفراده يعني مفردًا اللفظ وحده ولا يُذكر معه لفظ الإسلام، يعني لا يَرِدُ اللفظ في السياق، لا في سؤال، ولا في كلام سابق، ولا في كلام لاحق، «أتدرون ما الإيمان بالله وحده» . ابتداءً لم يذكر في الحديث الإسلام، فحينئذٍ يحمل على المعنى العام.

إذًا الإطلاق الأول يُطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام، فحينئذٍ ماذا يراد به؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت