فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 321

{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ} [النحل: 88] أي عذاب؟ الذي هو مقابل للشرك، {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ} أي عذاب؟ نقول: العذاب الذي رتبه الربُّ جل وعلا على وقوعهم في الكفر والشرك، فحينئذٍ زدناهم عذابًا لصدهم عن الحق، وصدهم عن سبيل الحق.

إذًا نقول: (عَلَيْنَا) يشمل الإنس والجن مؤمنهم وكافرهم، فالجن مخاطبون بالشريعة أصلًا وفروعًا، قد يختلفون في بعض المسائل لاختلاف هيئاتهم وحقيقتهم، كذلك الكفار مخاطبون بأصول الشريعة وهو محل اتفاق وبفروع الشريعة.

الفائدة من كون القول بخطاب أو مخاطبة الكفار بفروع الشريعة؟ نقول: هم لا يطالبون بها في حال كفرهم وهذا محل اتفاق، ولا يطالبون بقضائها بعد إسلامهم وهذا محل اتفاق، لا يطالبون بها حال كفرهم لأن من صحة العبادة الإخلاص، {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] وهذا انتفى في حقه الإخلاص، فيمتنع أن يصلي وهو كافر لانتفاء النية والقصد. ولا يُطالب بها لقضائها بعد الإسلام إذا أسلم لقوله جل وعلا: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال:38] ، كل ما قد سلف فهو مغفور لهم. «الإسلام يجب ما قبله» . وبالإجماع العملي، النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأتيه من يُسلم أو يُسلم على يديه، والصحابة كذلك من بعده لم يطالبوا أحدًا البتة، لم ينقل، ولو وجد لنقل، وعدم النقل دليل على أنه لم يحصل ولم يقع، لم ينقل عن أحد منهم أنه طالب كافرًا بقضاء الصلوات والصيام ونحو ذلك. فحينئذٍ نقول: الفائدة تكون فائدة أخروية فحسب وليست دنيوية، أخروية في مضاعفة العذاب، فالمسلم كما أنه يُعذب إن شاء ربه إذا لم يتب عليه يعني إذا مات مرتكبًا لكبيرة، قد يُعذَّب على فعل الكبيرة، أليس كذلك

هذا معتقد أهل السنة والجماعة، وقد يعفو الله عز وجل عنه. والكافر يفعل ما يشاء؟ يعني لو أردنا أن ننظر إليها بالنظر العقلي الكافر لا يمكن أنه يترك يفعل ما يشاء يشرب الخمر، ويأكل الربا، ويقطع الأرحام، ويعقّ والديه، ثم نقول: لا يعذب!، لا، بل يعذب وهو أولى من المسلم وإن كان كافرًا لم يأت بأصل الدين، بل ذهب بعضهم إلى أنه يعذب على الطيبات. {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [الأعراف: 32] إذًا ليست للكفار، فكل ما كان من الطيبات فالأصل أنه للمؤمنين، فإذا تلبَّسوا وأكلوا وشربوا فحينئذٍ نقول: فعلوا ما ليس ملكًا لهم، بل هو ملك للمؤمنين، فيكون فيه اعتداء فيعذب على ذلك، وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت