والإحسان مصدر أَحْسَنَ يُحْسِنُ إِحْسَانًا، وهو مشتق من الْحُسْنِ، ويُطلق في اللغة على الإتقان والإيجاد، إذا أجاد الشيء فهو محسن فيه، وإذا أتقن الشيء فهو محسن فيه. ومتعلق الإحسان الظاهر والباطن، ومتعلق الإسلام عند اجتماعه مع الإيمان والإسلام ذكرنا أنه خاص بالأعمال الظاهرة، كما فسره في حديث جبريل، والإيمان متعلقه الأعمال الباطنة إذا اجتمع مع الإسلام، الإحسان إذا اجتمع مع الإسلام والإيمان حينئذٍ يُحمل على الكمال فيهما، الكمال في الأعمال الباطنة، والكمال في الأعمال الظاهرة. هذا هو المراد بالإحسان الإجادة والإتقان على وجه التمام للأعمال القلبية فبلغت النهاية نهاية الإخلاص، وكذلك الأعمال الظاهرة بلغت النهاية والمنهى وهي ما يُسمَّى بالمتابعة فكمُل إخلاصه، وكملت متباعته للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهذان هما شرطا العبادة، لا تصح عبادة إلا بشرطين: الإخلاص والمتابعة. كمال الإخلاص، وكمال المتابعة هو الإحسان.
(الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: الإِحْسَانُ) وهو ركن واحد، وسبق أن المصنف قال هنا: (وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَانٌ) . وهو على ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان وكل مرتبة لها أركان، حينئذٍ (وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ) نقول: هذا ليس على ظاهره بل المراد به التغليب، لأن الإحسان ليس له أركان، وإنما هو ركن واحد، وله مرتبتان أو مقامان أو حالان عَبِّر بما شئت.
إذا قوله فيما سبق: (وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَانٌ) . هذا من باب التغليب يعني في الجملة لا بالجملة، في الجملة بـ (في) لا بالجملة يعني الجميع.
وهو (رُكْنٌ وَاحِدٌ) وعرفنا معنى الركن أنه: ما لا يقوم الشيء إلا به، وهو ( «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ) . هذا الإحسان متعلقه الرب جل وعلا وإلا الإحسان نوعان:
-إحسان في عبادة الخالق، وهو الذي أراده المصنف هنا.
-وإحسان في معاملة الخلق في حقوق الخلق.
إذًا الإحسان قد يكون متعلقًا بالخالق جل وعلا، وهو الذي عناه المصنف هنا، وهو المرتبة الثالثة، وقد يكون الإحسان متعلقه حقوق الخلق. وهذا قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا، الواجب كبر الوالدين وصلة الأرحام ونحو ذلك، والمستحب وهو ما زاد على الواجب.
وأما الذي قال فيه: وهو ( «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» ) هو الإحسان مع الرب جل وعلا (وَهُوَ) أي الإحسان مع الخالق جل وعلا ( «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» ) إذًا هذه الحالة الأولى أو المقام الأول من مقامي الإحسان، لأنه ركن واحد وهو يشتمل على مرتبتين إحداهما أرفع من الأخرى: